تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
شرح
يناقض العدل ، فإن الناس قد توقفوا فيه وقالوا : إنما يناسب أصول المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح على اللّه ، وإلّا فعلى أصول أهل السنّة أنه لا يجب عليه فعل الأصلح ولا يكون مناقضا للعدل ، لان فعل الأصلح عندهم من باب الفضل . هذا الذي فهم من مجموع كلام المعترضين مع سعته وتشعب أرجائه ، ولكن الحاصل ما ذكرته ، فمن هذه الطائفة الإمام أبو بكر بن العربي شارح الترمذي ، وتلميذ المصنف فإنه وفد عليه بالعراق وأخذ عنه علما جما كما ذكره في العواصم والقواصم . قال أبو عبد اللّه القرطبي في شرح أسماء اللّه الحسنى ، قال أبو بكر بن العربي ، قال شيخنا أبو حامد الغزالي قولا عظيما انتقده عليه أهل العراق وهو شهادة اللّه موضع انتقاد . قال : ليس في القدرة أبدع من هذا العالم في الاتقان والحكمة ، ولو كان في القدرة أبدع منه وادّخره لكان ذلك منافيا للجود ، وأخذ ابن العربي في الرد عليه إلى أن قال : ونحن وإن كنا قطرة في بحره فإنا لا نرد عليه إلا بقوله : ثم قال : فسبحان من أكمل بشيخنا هذا فواضل الحقائق ثم صرف به عن هذه الواضحة في الطرائق ، وممن تلاه في الرد الإمام أبو عبد اللّه المازري ، والإمام أبو الوليد الطرطوشي ، وهما لم يخصا بالرد عليه في هذه المسألة ، بل أطلقا القول في هذه المسألة وغيرها في مواضع من كتاب الإحياء تبع فيها الفلاسفة ، فالمازري لما سئل عن كتاب الأحياء ومصنفه قال في الجواب : هذا الرجل وإن لم أكن قرأت كتابه فقد رأيت تلامذته وأصحابه ، فكل منهم يحكي لي نوعا من حاله وطريقته فاتلوح بها مذهبه وسيرته ما قام لي مقام العيان ، فأنا اقتصر على ذكر حال الرجل وحال كتابه ، ثم ذكر أنه أكسبته قراءته الفلسفة جراءة على المعاني وتسهيلا للهجوم على الحقائق ، وعرفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا ، ثم ذكر ابن سينا ، وأنه يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من الفلسفة ، وقد أجاب عنهما التاج السبكي بما مرّ أكثره في مقدمة كتاب العلم حاصله : أن ابن سينا عنده من الهالكين ، فكيف يعتمد عليه وليس في كتاب الاحياء للفلاسفة مدخل ولم يصنفه إلا بعد ما ازدرى علومهم ونهى عن النظر في كتبهم ، وقد أشار هو إلى ذلك في مواضع من الاحياء ؛ وأما هذه الجملة التي وقع فيها النزاع والخصام ومكابرة الألداء الطغام ، فلا شك أنها فلسفية أوجبت للمازري ولأمثاله اعتقاد هذه الأمور الردية والخلاص منها الحكم بأنها مدسوسة عليه معزوة كذبا وبهتانا إليه ، قبح اللّه واضعها وعازيها إليه وصانعها ا ه . ومن المعترضين عليه أبو العباس ناصر الدين ابن المنير الإسكندري المالكي صنف في ذلك رسالة سماها « الضياء المتلالي في تعقب الاحياء للغزالي » وقال : المسألة المذكورة لا تتحشى إلا على قواعد الفلاسفة والمعتزلة ، ومع رده على المصنف قد أساء القول فيه جدا إذ تنقص من مقامه وغض من رتبته وهذا لا يوافقه فيه أحد ، فإن المصنف إمام الدنيا والدين وقطب العلم والحال والمقام وإمام المسلمين ، وإني لم أقف على كتابه المذكور وإنما اطلعت على نقول منه بالوساطة .