تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
شرح
تشعر فلكل عالم عور وله في بعض ما يأتي به احتجاب ، وناهيك بما جرى بين ولي اللّه تعالى الخضر وموسى عليهما السلام ، وإذا عرض لك من كلام عالم إشكال يؤذن في الظاهر بمحال واختلال ، فخذ ما ظهر لك علمه ودع ما اعتاص عليك فهمه وكل العلم فيه إلى اللّه عز وجل ، فهذه وصيتي لك فاحفظها وتذكيري إياك فلا تذهل عنه ، وأزيدك زيادة تقتضي التعريف بأصناف العلماء لكي تعرف أهل الحقيقة من غيرهم ، فلك في ذلك أكبر منفعة ولي في وصفهم أبلغ غرض . قال بعض علمائنا العلماء ثلاثة : حجة وحجاج ومحجوج ، فالحجة والحجاج عالمان باللّه وبأمره وبآياته علامتهما الخشية للّه والورع والزهد والإيثار ، لكن الحجة محفوظ من المراء والجدال فهو خبير عليم على صراط اللّه المستقيم ، والحاج مدفوع إلى إقامته الحجة وإطفاء نار البدعة ، فقد أخرس المتكلمين وأفحم المتخرصين ، برهانه ساطع وبيانه قاطع وبواضح برهانه ودلائله وضح الحق المبين ، فهو رباني عليم على صراط اللّه المستقيم ، والمحجوج : عالم باللّه وبأمره وبآياته ولكنه فقد الخشية للّه برؤيته لنفسه ، وحجبه عن الورع والزهد وبعده من بركات علمه ومحبته العلو والشرف وخوف السقوط فهو عبد لعبيد الدنيا خادم لخدمها مفتون بعد علمه مغتر بعد معرفته مخذول بعد تقربه ، شأنه الاحتقار لنعم اللّه تعالى والازراء بأوليائه وفخره بلقاء أميره وصلة سلطانه ، قد أهلك نفسه حين لا ينتفع بعلمه وأهلك من اتبعه واقتدى به ؛ فويل لمن صحبه وويل لمن تبعه في دينه ؛ وهذا هو آكل بدينه غير منصف للّه في نفسه ولا ناصح له في عباده ، فنعوذ باللّه من الحور بعد الكور ، ومن الضلالة بعد الهدى . فالصنفان الأوّلان من العلماء قد ذهبوا وإن كان قد بقي منهم فهو غير محسوس للناس ولا مدرك بالمخاطبة وذلك لما ظهر في القضاء من ظهور الفساد وعدم أهل الصلاح والرشاد ، وأعز شيء في الغالب على وجه الأرض ما يقع عليه في الحقيقة اسم علم عند شخص مشهور به ، وإنما الوجود اليوم أهل سخافة ودعوى وحماقة واجتراء وعجب بغير فضيلة ورياء ، يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا وهم أكثر من هم الأرض وصيّروا أنفسهم أوتاد البلاد وأرسان العوام ، وهم خلفاء إبليس وأعداء الحقائق وأخدان العوائد السوء ، وعنهم يرد عيب الحكم الشرعية وانتقاص أهل الإرادة والدينفَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ[ المنافقون : 4 ]اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ[ المنافقون : 2 ]أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ[ الأعراف : 179 ] هذا كله كلام المصنف في خطبة الأملاء ، وقد اختصرته في بعض المواضع ، ولنأخذ في ذكر ما وعدنا به واستوهب اللّه نفوذ البصيرة وحسن السريرة وغفران الجريرة فهو ربي ورب كل شيء وإليه المصير . فاعلم أن الطائفة الأولى ؛ وهم الذين ردوا على المصنف هذه الجملة ولم يقبلوها وقابلوها على كلام أهل السنة فوجدوها غير دائرة عليه واستشكلوا فيها أمرين . الأوّل : قوله ليس في الامكان أبدع مما أوجده اللّه ، والثاني : قوله في إقامة الدليل عليه لأنه لو كان وادّخره مع القدرة لكان بخلا يناقض الجود الإلهي ، وظلما يناقض العدل أو لا مع القدرة كان عجزا يناقض القدرة الإلهية ، فقرر بهذا الدليل أنه محال غير ممكن حتى يدخل تحت القدرة ومحل التوقف في هذا الدليل قوله : وظلما