تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
شرح
فصل وهذه المسألة التي نحن في سياقها بايراد الشواهد عليها شهيرة بين العلماء وهي في بادئ النظر سهلة ، ولكن عند التأمل عقدة تعب في حلها كثير من الشيوخ واختلفت آراؤهم وكثر نزاعهم وتشعبوا فرقا وسلكوا فيها طرقا ، فمنهم من رد على المصنف ونسبه إلى رأي الفلاسفة والاعتزال ، ومنهم من انتصر له وحاول عنه النضال ، ومنهم من زعم أنها مدسوسة عليه وقوى ذلك الاحتمال ، وقد سبق مني وعد في مقدمة كتاب العلم حين ذكرت ترجمة المصنف واستطردت فيها إلى ذكر مصنفاته ومقالاته والرد على الطاعنين في مؤلفاته وكلماته ، أن إذا وفقني اللّه تعالى ووصلت إلى كتاب التوكل الذي هذه المسألة مرسومة فيه أتكلم عليها بما يسر اللّه لفهمي من مجموع كلام الأئمة تسليما وردا ونقدا ، وها قد منّ اللّه تعالى عليّ وله الحمد المستقصي حتى يرضى أن وصلت إلى هذا المقام بعد أن فات من ميقات الوعد إلى اليوم نحو عشرة أعوام ، وقد أعطيت بمنة اللّه تعالى لعبارة المصنف استحقاقها شرحا وكشفا بما له من الأدلة والشواهد وفي أثنائها فوائد زوائد ، وقد عن لي الآن ان أجمع كلام أولئك الفرق وأتكلم معهم بالإنصاف تاركا سبيل الاعتساف ، فما كان صوابا فمن اللّه تعالى وما كان خطأ فمن سوء فهمي وبلادة قريحتي ، والمطالع يسامحني ويغضّ عن إساءتي فإني مقر بقلة بضاعتي وقلوص ظل حصاني ، ولنقدم قبل نقل كلامهم وصية تعرف ما على من نظر في كلام الناس في تصانيفهم كيف يكون نظره فيها واقتباسه منها ، فذلك أوكد عليه أن يتعلمه إن لم يعلمه ، وأولى ما يلزم العمل به إذا علمه فما أتى على أكثرهم إلا أنهم أتوا البيوت من ظهورها فشردوا عنها وغلقت في وجوههم ، وأسدل دونهم الحجاب . ولو أتوها من أبوابها للقوا بالرحب وولجوا على الرضا والحب وكشف لهم كثير من حجب الغيب . قال المصنف رحمه اللّه تعالى في أول الإملاء : أيها الطالب للعلوم والناظر في التصانيف والمتشرف على كلام الناس ليكن نظرك فيما تنظر فيه باللّه وللّه وفي اللّه ، لأنه إن لم يكن نظرك به وكلك إلى نفسك أو إلى من جعلت نظرك به إذا كان غيره من فهم أو علم أو خط أو إمام متبع أو صحة ميزان أو ما شاكل ذلك ، وكذلك إن لم يكن نظرك له فقد صار عملك لغيره ونكصت على عقبيك وخسرت في الدارين صفقتك وعاد كل ما هو لك عليكفَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[ الكهف : 110 ] وإن لم يكن نظرك فيه فقد أثبت معه غيره ولاحظت بالحقيقة سواه ، وإذا نظرت في كلام أحد من الناس ممن قد شهر بعلم فلا تنظره بازدراء كمن يستغني عنه في الظاهر وله إليه كبير حاجة في الباطن ، ولا يقف به حيث وقف به كلامه فالمعاني أوسع من العبارات والصدور أفسح من الكتب المؤلفات ، وأطمح بنظر قلبك في كلامه إلى غاية ما يحتمل ، فذلك يعرفك وجه قدره ويفتح لك باب قصده ولا تقطع له بصحة ولا تحكم عليه بفساد ، وليكن تحسين الظن أغلب عليك فيه حتى يزول الإشكال عنك مما تتيقن من معانيه ، فإذا رأيت حسنة وسيئة فانشر الحسنة واطلب المعاذير للسيئة ، ولا تكن كالذبابة تنزل على أقذر ما تجده ولا تعجل على أحد بالتخطئة ، ولا تبادر بالتجيهل ، فربما عاد عليك ذلك وأنت لا