شرح
مقام من المحبة وأوسط حال في التوكل فقد كفى الخلائق ، هذا كله حسن تدبير الخلاق العليم الخبير البصير ، وإنما يحتاجون إلى معرفة بالحكمة ومشاهدة للحكم والقدرة إلى بصيرة ويقين بالرحمة والنعمة يقع بهما في القلوب تسكين ، ولا يختلف هذا الذي ذكرناه عند الموقنين اليوم بعد كشف حجاب العقل وسقوط سلطان النفس ، وسيطلع العموم على سر هذا من لطيف التدبير وباطن التقدير وهو سر القدر ولطيفة القدر عند كشف الغطاء ومعاينة ما وراءه من عجائب الخبء في السماوات والأرض ، وقد أطلع اللّه على ذلك العلماء به في الدنيا قبل الآخرة وهو محمود مشكور له الحمد في الأولى على ما أظهر وله الشكر في الأخرى على ما أخفى وستر ، ففي كل واحد منهما نعمة سابغة ورحمة واسعة وحكمة بالغة ، ولكن قد خلق العلماء بأخلاقه فليس يكشفون من سره إلا بقدر ما كشف ولا يعرفون من وصفه إلا من حيث عرف انتهى .
وقال الشيخ ابن عطاء اللّه قدس سره في لطائف المنن ، وناهيك به جلالة قدر أن التقي السبكي كان يفتخر بحضوره في حلقة وعظه ذكر فيه ما نصه : اعلم إن اللّه تعالى لم يأمر العباد بشيء وجوبا أو ندبا إلا والمصلحة لهم في فعل ذلك الأمر ولم يقتض منهم ترك شيء تحريما أو كراهة إلا والمصلحة لهم في تركه ، ولسنا نقول كما قال من عدل به عن طريق الهدى أنه يجب على اللّه رعاية مصالح عباده ، بل على سبيل التفضل ، فليت شعري إذ قالوا يجب على اللّه رعاية مصالح عباده ، فمن هو الموجب عليه انتهى . وهذا عين ما فهم من كلام المصنف وقررناه به .
فصل
في نبذة أحاديث وآثار مناسبة لما تقدم :
روى أبو نعيم في الحلية ، وابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء من حديث أنس : « يقول اللّه تعالى من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة . وأنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث الحرد » الحديث .
وفيه : « وأن من عبادي المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة فأكفه أن لا يدخل عجب فيفسده ذلك ، وأن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وأن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وأن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو اسقمته لأفسده ذلك ، وأن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لافسده ذلك إني أدير أمر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير » .
وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس : « يقول اللّه تعالى ربما سألني وليّي المؤمن الغنى فاصرفه من الغنى إلى الفقر ولو صرفته إلى الغنى لكان شرا له ، وربما يسألني وليّي المؤمن الفقر فاصرفه إلى الغنى ولو صرفته إلى الفقر لكان شرا له » .
وروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة : « قال موسى : يا رب أعطيت الدنيا أعداءك ومنعتها أولياءك فما الحكمة في ذلك ؟ فأوحى اللّه إليه : أعطيتها أعدائي ليتمرغوا ومنعتها أوليائي ليتضرعوا » .