تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
شرح
الصبر عليه ولأن الشيء إذا كان لا يأتيك إلا قليلا قليلا وأنت تحتاج إليه لم يكن لك إلا الصبر عليه ، وإلا انقطع ذلك القليل . وأصل قلة الصبر ضعف اليقين بحسن جزاء من صبرت له لأنه لو قوي يقينه كان الآجل من الوعد عاجلا إذا كان الواعد صادقا ، فحسن صبره لقوّة الثقة بالاعطاء ولا يصبر العبد إلا لأجل معنيين : مشاهدة العوض وهو أدناهما وهذا حال المؤمنين ومقام أصحاب اليمين ، أو النظر إلى المعوّض وهو حال الموقنين ومقام المقربين ، فمن شهد العوض غني بالصبر ، ومن نظر إلى المعوّض حمله النظر ، والتصبر على الصبر هو مجاهدة النفس وحملها على الصبر وترغيبها فيه وهو التعمل للصبر بمنزلة التزهد وهو أن يعمل في أسباب الزهد لتحصيل الزهد والزهد والصبر هو التحقق بالوصف وذلك هو المقام . إلى هنا كلام صاحب القوت . وقال صاحب البصائر نقلا عن بعض المشايخ : كان صبر يوسف عليه السلام عن طاعة امرأة العزيز أكمل من صبره على إلقاء اخوته إياه في الجب وبيعهم وتفريقهم بينه وبين أبيه ، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها ليس للعبد حيلة فيها عن الصبر ، وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضا ومحاربة للنفس ، ولا سيما مع أسباب تقوى معها داعية الموافقة فإنه كان شابا وداعية الشاب إليها قوية ، وكان عزبا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته ، وغريبا والغريب لا يستحيي في بلد غربته مما يستحيي منه بين أصحابه وأهله ، ويحسبونه مملوكا والمملوك ليس وازعه كوازع الحر والمرأة جميلة وذات منصب وقد غاب الرقيب وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشد الحرص ، ومع ذلك توعدته بالسجن إن لم يفعل ، فمع هذه الدواعي كلها صبر اختيارا وإيثارا لما عند اللّه . وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه ، والصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات ، فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية ، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية . واعلم أن الشكوى إلى اللّه عز وجل لا تنافي الصبر ، فإن يعقوب عليه السلام وعد بالصبر الجميل والنبي إذا وعد لا يخلف ثم قال :إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ[ يوسف : 86 ] وكذلك أيوب عليه السلام أخبر اللّه عنه انه وجد صابرا مع قوله :مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[ الأنبياء : 83 ] وإنما ينافي الصبر شكوى اللّه لا الشكوى إلى اللّه ، كما رؤي بعضهم يشكو إلى آخر فاقة وضرورة فقال : يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ثم أنشد :وإذا اعترتك بلية فاصبر لها * صبر الكريم فإنه بك أرحم وإذا شكوت إلى ابن آدم لا كما * تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمواللّه أعلم .