تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
شرح
وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : الصبر كإسمه . وقال علي رضي اللّه عنه : الصبر مطية لا تكبو . وقال أبو محمد الحريري : الصبر أن لا تفرق بين حال النعمة والمحبة مع سكون الخاطر فيهما ، والصبر هو السكون مع البلاء مع وجدان أثقال المحنة ، وانشد بعضهم :صبرت ولم اطلع هواك على صبري * وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر مخافة أن يشكو ضميري صبابتي * إلى دمعتي سرا فتجري ولا أدريوقيل : تجرع الصبر فإن قتلك قتلك شهيدا وإن أحياك أحياك عزيزا . وقيل : الصبر على الطلب عنوان الظفر والصبر في المحن عنوان الفرج . وفي بعض الأخبار : بعيني ما يتحمل المتحملون لأجلي . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لو كان الصبر والشكر بعيرين لم أبال أيهما ركبت . وكان ابن شبرمة إذا نزل به بلاء قال سحابة ثم تنقشع . وسئل السري عن الصبر فجعل يتكلم فيه فدبّ على رجله عقرب وهي تضربه بإبرتها ضربات كثيرة وهو ساكن ، فقيل له : لم لم تنحها ؟ فقال : استحييت من اللّه تعالى أن أتكلم في الصبر ولا لي صبر . وفي بعض الأخبار : الفقراء الصبّرهم جلساء اللّه يوم القيامة . وأوحى اللّه إلى بعض أنبيائه أنزلت بعبدي بلائي فدعاني فماطلته بالإجابة فشكاني فقلت : عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك . وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : إن الصبر حدّه أن لا تعترض على التقدير فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر . قال اللّه تعالى في قصة أيوب عليه السلام :إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ[ ص : 44 ] مع ما أخبر عنه أنه قال :مَسَّنِيَ الضُّرُّ[ الأنبياء : 83 ] وسمعته يقول استخرج منه هذه المقالة يعني قوله : مسني الضر ليكون منفسا لضعفاء هذه الأمة ، وسمعته يقول : حقيقة الصبر الخروج عن البلاء على حسب الدخول فيه مثل أيوب عليه السلام قال في آخر بلائهمَسَّنِيَ الضُّرُّالآية . فحفظ أدب الخطاب حيث عرض بقولهوَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَولم يصرح بقوله : ارحمني . اعلم أن الصبر على ضربين : صبر العابدين وصبر المحبين ، فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظا ، وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضا وفي معناه أنشد :تبين يوم البين ان اعتزامه * على الصبر من إحدى الظنون الكواذبوفي هذا المعنى سمعت الأستاذ أبا علي يقول : أصبح يعقوب عليه السلام وقد وعد الصبر من نفسه فقال :فَصَبْرٌ جَمِيلٌ[ يوسف : 83 ] أي فشأني صبر جميل ثم لم يمس حتى قاليا أَسَفى عَلى يُوسُفَ[ يوسف : 84 ] إلى هنا كله كلام القشيري . وقال صاحب العوارف : لكل شيء جوهر وجوهر الانسان العقل ، وجوهر العقل الصبر ، فالصبر عرك النفس وبالعرك تلين ، والصبر جار في الصابر مجرى الأنفاس لأنه يحتاج إلى الصبر عن كل منهي ومكروه ومذموم ظاهرا وباطنا ، والعلم يدل والصبر يقبل فلا تنفع دلالة العلم بغير قبول الصبر ، ومن كان العلم سياسته في الظاهر والباطن لا يتم له ذلك إلا إذا كان الصبر مستقره
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 85 | مرتضى الزبيدي