تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
شرح
ومسكنه ، والعلم والصبر متلازمان كالروح والجسد لا يستقل أحدهما بدون الآخر ومصدرهما الغريزة العقلية وهما متقاربان لاتحاد مصدرهما وبالصبر تحامل على النفس وبالعلم ترقى إلى الروح وهما البرزخ والفرقان بين الروح والجسد ليستقر كل واحد منهما في مستقره ، وفي ذلك صريح العدل وصحة الاعتدال ، وبانفصال أحدهما عن الآخر - أعني العلم والصبر ميل أحدهما إلى الآخر أعني النفس والروح - وبيان ذلك يدق وناهيك بشرف الصبر قوله تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ[ النحل : 127 ] أضاف الصبر إلى نفسه لشريف مكانه وتكميل النعمة به ، ثم نقل مراجعة الرجل مع الشبلي في أشد الصبر كما تقدم ذكره ، ثم قال : وعندي في معنى الصبر عن اللّه وجه ولكونه من أشد الصبر على الصابرين وجه ، وذلك أن الصبر عن اللّه يكون في أخص معاملة المشاهدة ، ثم يرجع العبد عن مولاه استحياء واجلالا وتنطف بصيرته خجلا وذوبانا ويتغير في مفاوز استكانته وتخفيه لإحساسه بعظيم أمر التجلي ، وهذا من أشد الصبر لأنه يود استدامة هذا الحال تأدية لحق الجلال ، والروح تود أن تكتحل بصيرتها بأشعة نور الجمال ، وكما أن النفس منازعة لعموم حال الصبر فالروح في هذا الصبر منازعة فاشتد الصبر عن اللّه تعالى لذلك وقال جعفر الصادق رحمه اللّه تعالى : أمر اللّه تعالى أنبياءه بالصبر وجعل الحظ الأعلى للرسول صلّى اللّه عليه وسلم حيث جعل صبره باللّه لا بنفسه فقال :وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِإلى هنا كلام صاحب العوارف . وقال صاحب القوت في شرح مقام الصبر ، قال بعض الصحابة : ما ذا جعل اللّه من الشفاء والفضل في التقوى والصبر ؟ قلت : وهذا تصحيف من صاحب القوت أو من الكاتب نبه على ذلك أبو الحسن نصر بن أحمد الفارسي قال : إنما هو من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما ذا في الامرين من الشفاء الثقاء ، والصبر يعني بالثقاء حب الرشاد ، والصبر هو المرثم . قال صاحب القوت : وكان سهل يقول : الصبر تصديق الصدق وأفضل منازل الطاعة الصبر عن المعصية ثم الصبر على الطاعة وقال في معنى قوله تعالىاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا[ الأعراف : 128 ] أي استعينوا باللّه على أمر اللّه واصبروا على أدب اللّه ، وكان يقول الصالحون في المؤمنين قليل والصابرون في الصالحين قليل ، فجعل الصبر خاصية الصدق وجعل الصابرين خصوص الصادقين ، وكذلك اللّه سبحانه رفع الصابرين على الصادقين في ترتيب المقامات فجعل الصبر مقاما في الصدق في قوله تعالى :إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ[ الأحزاب : 35 ] الآية على أن الواو للجمع . والصبر ينقسم إلى عملين : أحدهما : لا صلاح للدين إلا به ، والثاني : هو أصل فساد الدين . ثم يتنوّع الصبر فيكون صابرا على الذي فيه صلاح الدين فيكمل به إيمانه ، ويكون صابرا عن الذي فيه فساد الدين فيحسن به يقينه . وكان ميمون بن مهران يقول : الإيمان والتصديق والمعرفة والصبر شيء واحد ، ثم قال : فمن صبر عن الطمع في الخلق أخرجه الصبر إلى الورع ، ومن صبر على الورع في الدين أدخله الصبر في الزهد ، ومن طمع في التصديق الكاذب أدخله الطمع في حب الدنيا ، ومن استشعر حب الدنيا أخرجه حبها من حقيقة الدين . وقد روينا : يؤتى بأشكر أهل