تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
شرح
الأرض فيجزيه جزاء الشاكرين ، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال : أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر ؟ فيقول : نعم يا رب . فيقول اللّه : كلا أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الأجر عليه فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين . وجاء في الخبر : إن لأبواب الجنة مصراعين يأتي عليها زحام إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد لا يدخل منه إلا الصابرون أهل البلاء في الدنيا واحد بعد واحد ، وللصبر معنيان : أحدهما منوط بالآخر لا يتم كل واحد منهما إلا بصاحبه ، فمن كان التقوى مقامه كان الصبر حاله فصار الصبر أفضل الأحوال من حيث كان التقوى أفضل المقامات إذ الأتقى هو الأكرم عند اللّه ، والأكرم عند اللّه هو الأفضل ، وقيل لسفيان الثوري : ما أفضل الأعمال ؟ قال : الصبر عند الابتلاء . وقال بعض العلماء : لا يطمئن طامع في مدح اللّه تعالى وحسن ثنائه عليه قبل أن يبتليه فيصبر له ، ولا يطمعن أحد في حقيقة الإيمان وحسن اليقين قبل أن يمدحه اللّه تعالى ويثني عليه ، ولو أظهر اللّه تعالى على جوارحه سائر الأعمال ثم لم يمدحه بوصف ولم يثن عليه بخير لم يؤمن عليه سوء الخاتمة ، وذلك من أخلاق اللّه تعالى انه إذا أحب عبدا أو رضي عمله مدحه ووصفه ، فمن ابتلاه بكراهة ومشقة أو هوى أو شهوة فصبر لذلك أو صبر عن ذلك فإنه تعالى يمدحه ويثني عليه بكرمه وجوده ، فيدخل هذا العبد في أسماء الموصوفين ويصير واحدا من الممدوحين ، فعندها يثبت قدمه من الزلل ويختم له بما سبق له من صالح العمل ، وأفضل الصبر الصبر على اللّه تعالى بالمجالسة والإصغاء إليه وعكوف الهمم عليه وقوّة الوجد به ، وهذا لخصوص المقربين أو حياء منه أو حبا له أو تسليما له أو تفويضا إليه وهو السكون تحت جريان الاقدار وشهودها من الانعام ومن حسن تدبير الاقتسام وشهود المشيئة له والحكمة فيها والقصد بالابتلاء بها وهو داخل في قوله تعالى :وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ[ المدثر : 7 ] وفي قوله تعالى :وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا[ الطور : 48 ] وقال سهل في تأويل قول علي رضي اللّه عنه : ان اللّه يحب كل عبد نؤمة . قال : هو الساكن تحت جريان الأحكام عن الكراهة والاعتراض . وقال عمر بن عبد العزيز : أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القدر . ويقال : من علامات اليقين التسليم للقضاء بحسن الصبر والرضا وهو مقام العارفين ، والصبر أيضا على إظهار الكرامات وهي الأخبار بكشف القدرة والآيات داخل في حسن الأدب من المعاملات ، وهذا في معنى الحياء من اللّه تعالى وهذا طريق المحبين للّه تعالى وهو حقيقة الزهد . ومن فضائل الصبر حبس النفس عن حب الحمد والمدح والرئاسة ، وقد روينا في خبر مقطوع : الصبر في ثلاث : الصبر عن تزكية النفس ، والصبر عن شكوى المصيبة ، والصبر على الرضا بقضاء اللّه تعالى خبره وشره . واعلم أن أكثر معاصي الخلق في شيئين : قلة الصبر عما يحبون ، أو قلة الصبر عما يكرهون ، وقد قرن اللّه الكراهة بالخير والمحبة بالشر في قوله تعالى :وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ[ البقرة : 216 ] وهو الصبر وهو أول فريضة مثل أول الاخلاص ، والصبر أيضا حيلة من لا حيلة له لأن الأمر إذا كان بيد غيرك لم يكن لك إلا