الصبر يجمل في المواطن كلها * إلا عليك فإنه لا يجمل
هذا آخر ما أردنا شرحه من علوم الصبر وأسراره .
شرح
( وقيل أيضا ) :( والصبر يحمد في المواطن كلها * إلا عليك فإنه لا يحمد )أورده القشيري بعد قوله : وقال يحيي بن معاذ الرازي : صبر المحيين أشد من صبر الزاهدين واعجبا كيف يصبرون وأنشد فذكره .
وقال الشيخ عبد اللّه الأنصاري : ومن أضعف الصبر الصبر للّه وهو صبر العامة ، وفوقه الصبر باللّه وهو صبر المريدين وفوقه الصبر على أحكام اللّه وهو صبر السالكين ومعنى كلامه : إن صبر العامة للّه أي رجاء ثوابه وخوف عقابه ، وصبر المريدين باللّه أي بقوة اللّه ومعونته بهم لا يرون لأنفسهم صبرا ولا قوة عليه بل حالهم التحقق بلا حول ولا قوة إلا باللّه علما ومعرفة وحالا وفوقها الصبر على اللّه أي على أحكامه هذا تقرير كلامه .
قال صاحب البصائر . والصواب أن الصبر للّه فوق الصبر باللّه وأعلى درجة وأجل شأنا ، فإن الصبر للّه متعلق بالإلهية ، والصبر به متعلق بربوبيته وما تعلق بالإلهية أكمل وأعلى مما تعلق بربوبيته ، ولأن الصبر له عبادة والصبر به استعانة والاستعانة وسيلة والعبادة غاية والغاية مرادة لنفسها والوسيلة مرادة لغيرها ، ولأن الصبر به مشترك بين المؤمن والكافر والبر والفاجر ، فكل من شهد الحقيقة الكونية صبر به ، وأما الصبر به فمنزلة الأنبياء والرسل والصديقين ولأن الصبر له صبر فيما هو حق له محبوب مرضي لديه ، والصبر قد يكون في ذلك وقد يكون فيما هو مسخوط له وقد يكون في مكروه أو مباح ، فأين هذا من هذا ، وأما تسمية الصبر على أحكامه صبرا عليه فلا مشاحة في العبارة بعد معرفة المعنى واللّه أعلم .
( هذا آخر ما أردنا شرحه في علوم الصبر وإسراره ) وقد بقي في الباب بعض مهمات لم يشر إليها المصنف مما هو في كتب الشيوخ . قال القشيري في الرسالة ، قال أبو القاسم الحكيم : قوله تعالى :وَاصْبِرْأمر بالعبادة وقوله :وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ[ النحل : 127 ] عبودية فمن ترقى من درجة لك إلى درجة بك ، فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية . قال صلّى اللّه عليه وسلم :
« بك أحيا وبك أموت » . وقال ذو النون المصري : الصبر التباعد عن المخالفات والسكون عند تجرع غصص البلية وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة . وقال ابن عطاء : الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب ، وقيل : هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى . وقال أبو عثمان الصبار :
الذي عوّد نفسه الهجوم على المكاره . وقيل : الصبر المقام مع البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية .
وقال عمرو بن عثمان : الصبر هو الثبات على أحكام الكتاب والسنّة . وقال رويم : الصبر ترك الشكوى . وقال ذو النون : الصبر هو الاستغاثة باللّه . وقال أبو عبد الرحمن السلمي : أنشدني أبو بكر الرازي قال : انشدني ابن عطاء لنفسه :سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة * وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري