تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
فالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف موسى وإبراهيم وكل كتاب منزل ما أنزل إلا لدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد ، والمراد منهم أن يكونوا ملوكا في الدنيا ملوكا في الآخرة أما ملك الدنيا ؛ فالزهد فيها والقناعة باليسير منها . وأما ملك الآخرة فبالقرب من اللّه تعالى يدرك بقاء لا فناء فيه وعزا لا ذلّ فيه وقرة عين أخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس . والشيطان يدعوهم إلى ملك الدنيا لعلمه بأن ملك الآخرة يفوت إذ الدنيا والآخر ضرتان ، ولعلمه بأن الدنيا لا تسلم له أيضا ولو كانت تسلم له لكان يحسده أيضا ، ولكن ملك الدنيا لا يخلو عن المنازعات والمكدرات وطول الهموم في التدبيرات وكذا سائر أسباب الجاه . ثم مهما تسلم وتتم الأسباب ينقضي العمر
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
شرح
وصحف موسى ) عليه السلام ( وكل كتاب منزل ما أنزل إلا لدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد ) روى عبد بن حميد ، وابن مردويه ، وأبو نعيم ، وابن عساكر من حديث أبي ذر قال : قلت يا رسول اللّه كم أنزل اللّه من كتاب ؟ قال : « مائة كتاب وأربعة كتب أنزل على شيث خمسين صحيفة ، وعلى إدريس ثلاثين ، وعلى إبراهيم عشر صحائف ، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف ، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان » قلت : يا رسول اللّه فما كانت صحف إبراهيم ؟ قال : « أمثال كلها » قلت : فما كانت صحف موسى ؟ قال : « كانت عبرا كلها » قلت ، فهل أنزل اللّه عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم وموسى ؟ قال : « نعم :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى * إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى» [ الأعلى : 14 - 19 ] ( والمراد منهم أن يكونوا ملوكا في الدنيا ملوكا في الآخرة أما ملك الدنيا ، فبالزهد فيها والقناعة باليسير منها ) بقدر ما يبلغه إلى الآخرة ( وأما ملك الآخرة : فبالقرب من اللّه تعالى يدرك بقاء لا فناء فيه وعزا لا ذل فيه وقرة عين أخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس ) يشير إلى قوله تعالى :فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ[ السجدة : 17 ] ( والشيطان قد يدعوهم إلى ملك الدنيا لعلمه بأن ملك الآخرة يفوت به إذ الدنيا والآخرة ضرتان ) أي بمنزلتهما إن أرضيت إحداهما سخطت الأخرى ، وهكذا مثلهما علي رضي اللّه عنه ، وتقدم في كتاب العلم ، ( ولعلمه بأن الدنيا لا تسلم له أيضا ) لأنه يفارقها عن قرب ، ( ولو كانت تسلم لكان يحسده أيضا ، ولكن ملك الدنيا لا يخلو عن المنازعات والمكدرات وطول الهموم في التدبيرات ، وكذلك سائر أسباب الجاه ) والرئاسات ، ( ثم مهما تسلم وتتم الأسباب ) لما يوافق راحته وهواه ( ينقضي العمر ) وينتهي (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً )أي محصودا منكسرا