والاستعلاء والاستتباع أغلب اللذات في الدنيا على نفوس العقلاء ، وكيف لا تكون أغلب اللذات ومطلوبها صفة من صفات اللّه تعالى وهي الربوبية ؟ والربوبية محبوبة ومطلوبة بالطبع للقلب لما فيه من المناسبة لأمور الربوبية ، وعنه العبارة بقوله تعالى :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 58 ] وليس القلب مذموما على حبه ذلك وإنما هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللعين المبعد عن عالم الأمر إذ حسده على كونه من عالم الأمر فأضله وأغواه ، وكيف يكون مذموما عليه وهو يطلب سعادة الآخرة ؟ فليس يطلب إلا بقاء لا فناء فيه . وعزا لا ذل فيه وأمنا لا خوف فيه وغنى لا فقر فيه وكمالا لا نقصان فيه ؟ وهذه كلها من أوصاف الربوبية وليس مذموما على طلب ذلك بل حق كل عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له . وطالب الملك طالب للعلو والعز والكمال لا محالة . ولكن الملك ملكان : ملك مشوب بأنواع الآلام وملحوق بسرعة الانصرام ولكنه عاجل وهو في الدنيا وملك مخلد دائم لا يشوبه كدر ولا ألم ولا يقطعه قاطع ولكنه آجل . وقد خلق الإنسان عجولا راغبا في العاجلة فجاء الشيطان وتوسل إليه بواسطة العجلة التي في طبعه فاستغواه بالعاجلة وزين له الحاضرة ، وتوسل إليه بواسطة
شرح
والإستتباع أغلب اللذات في الدنيا على نفوس العقلاء وكيف لا يكون أعلى اللذات ومطلوبها صفة من صفات اللّه تعالى وهي الربوبية ، والربوبية محبوبة ومطلوبة بالطبع للقلب لما فيه من المناسبة لأمور الربوبية وعنه العبارة بقوله تعالى :قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيوليس القلب مذموما على حبه ذلك ، وإنما هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللعين المبعد ) من رحمة اللّه تعالى ( عن عالم الأمر إذ حسده على كونه من عالم الأمر فأضله وأغواه ) عن طريق الرشد ، ( وكيف يكون مذموما عليه وهو يطلب سعادة الآخرة ) وهو أعلى النعم الموهوبة وأشرفها ؟ ( ومن يطلب سعادة الآخرة ليس يطلب إلا بقاء لا فناء فيه . وعزا لا ذل فيه وأمنا لا خوف فيه وغنى لا فقر فيه وكمالا لا نقصان فيه ) ، أو قدرة لا عجز فيها ، وعلما لا جهل فيه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِالآية [ هود : 108 ] ولا يمكن الوصول لذلك إلا باكتساب الفضائل النفيسة واستعمالها . ( وهذه كلها من أوصاف الربوبية وليس مذموما على طلب ذلك ، بل حق كل عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له ، وطالب الملك طالب للعز والعلو والكمال لا محالة ، ولكن الملك ملكان : ملك مشوب بأنواع الآلام ) والأكدار ( وملحوق بسرعة الإنصرام ) أي الانقطاع ( ولكنه عاجل وهو في الدنيا ، وملك مخلد دائم لا يشوبه كدر ولا ألم ) أي لا يخالطه ( ولا يقطعه قاطع ولكنه آجل ) أي متأخر ( وقد خلق الإنسان عجولا راغبا العاجلة ) كما في نص القرآن ، ( فجاء الشيطان وتوصل إليه بواسطة العجلة التي في طبعه