تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل وهو آخر درجات الصبر وإنما الصبر عن العلائق كلها مقدّم على الصبر عن الخواطر . قال الجنيد رحمه اللّه : السير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن وهجران الخلق في حب الحق شديد ، والسير من النفس إلى اللّه تعالى صعب شديد والصبر مع اللّه أشد فذكر شدّة الصبر عن شواغل القلب ثم شدّة هجران الخلق . وأشد العلائق على النفس علاقة الخلق وحب الجاه ، فإنّ لذة الرياسة والغلبة
شرح
بعد النسيان . وقال تعالى : ( إن في ذلك تذكرة ) « 1 » [ المزمل : 19 ] وقال تعالى :إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى[ ق : 37 ] ( فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل ) الجاذبة من طريق الحق ( وهو آخر درجات الصبر ) وأشدها على السالكين وفيها تزل أقدام الأقوياء فضلا عن الضعفاء ، ( وإنما الصبر عن العلائق كلها مقدم على الصبر عن الخواطر ) فإذا فرغ منها استقبله هذا الباب العظيم الهائل فإن وجد شيخا كاملا فليعتصم به ولا يفارقه وهو بعد هذا المنزل إما هالك أو مالك لأنه يرى الخواطر تأتيه كأمواج البحر تبهر أبصار القلوب رؤيتها فكيف التوسط في لججها ؟ . ومن أجل هذه ( قال الجنيد ) قدس سره : ( المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل ) هين ( على المؤمن وهجران الخلق في حب الحق شديد ، والمسير من النفس إلى اللّه تعالى صعب شديد والصبر مع اللّه أشد ) هكذا رواه القشيري في الرسالة سماعا عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول : سمعت الجنيد يقول فذكره ، والمعنى أن المسير من الدنيا سهل وإن كان فيه صعوبة ما من حيث فراق محبوبه ، وذلك لكمال الجزاء وهجران الخلق في طاعة اللّه شديد لمخالفته هوى النفس من حظوظها والمسير من النفس بعدم الالتفات لهواها إلى اللّه تعالى بالعمل المحض أمره شديد للمخالفة المذكورة والصبر مع اللّه حتى لا يرجع الصابر إلى الالتفات لهواها أشد مما ذكر ، ( فذكر شدة الصبر عن شواغل القلب ثم شدة هجران الخلق ) فانظر فما أغزر علمه فإنه ليس في الطريق عائق رابع . إما العائق الأول للدنيا ، والعائق الثاني إقبال الخلق على المريد ، والعائق الثالث حوم الشياطين بين القلب وبين الملكوت وليس له علاج إلا الاعتماد على اللّه ، ثم الإعتصام بالشيخ المفيد ، ثم الإقبال على معاني الذكر بكنه الهمة ، فمن كان للّه كان اللّه له ثم تخفيفه العلائق ما استطاع فإنه لا مطمع في الورع قبل القناعة ، ولا في الزهد قبل الورع ، ولا في فراغ القلب قبل الزهد ، ولا في الفكر قبل المعرفة ، ولا في المعرفة قبل الفكر ، ولا في المحبة قبل المعرفة . ( وأشد العلائق على النفس علقة الخلق وحب الجاه فإن لذة الرئاسة والغلبة والإستعلاء
هامش
( 1 ) وتصوير الآية : « إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا » .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 75 | مرتضى الزبيدي