تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
الحمق فوعده بالغرور في الآخرة ومناه مع ملك الدنيا ملك الآخرة كما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » فانخدع المخذول بغروره واشتغل بطلب عز الدنيا وملكها على قدر إمكانه . ولم يتدل الموفق بحبل غروره إذ علم مداخل مكره فأعرض عن العاجلة فعبر عن المخذولين بقوله تعالى :
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
[ القيامة : 20 ، 21 ] وقال تعالى :
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
[ الإنسان : 27 ] ، وقال تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
[ النجم : 29 ، 30 ] ولما استطار مكر الشيطان في كافة الخلق أرسل اللّه الملائكة إلى الرسل وأوحوا إليهم ما تم على الخلق من إهلاك العدو وإغوائه ، فاشتغلوا بدعوة الخلق إلى الملك الحقيقي عن الملك المجازي الذي لا أصل له إن سلم ولا دوام له أصلا فنادوا فيهم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
[ التوبة : 38 ]
شرح
فاستغواه بالعاجلة وزين له الحاضرة وتوسل إليه بواسطة الحمق ) وهو فساد جوهر العقل ، ( فوعده بالغرور في الآخرة ومناه مع ملك الدنيا ملك الآخرة كما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق ) وفي رواية والفاجر ( من اتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه ) الأماني » . رواه أحمد والترمذي وابن ماجة من حديث شداد بن أوس وقد تقدم . ( فانخدع المخذول بغروره واشتغل بطلب عز الدنيا وملكها على قدر إمكانه ولم يتدل الموفق بحبل غروره ) ولم ينخدع ( إذ علم مداخل مكره ) ومطاوي خدعه ( فأعرض عن العاجلة فعبر عن المخذولين ، وقيل ) وفي نسخة فعبر تعالى عن المخذولين وقال : (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) أي يدعونها ( وقال تعالى :إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا) وقال تعالى : (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) في آيات كثيرة تشير إلى أحوال المخذولين ممن آثر الدنيا على الآخرة . ( ولما استطار مكر الشيطان في كافة الخلق ) وانتشر خدعه إياهم ( أرسل اللّه الملائكة إلى الرسل ) عليهم السلام ( وأوحى ) وفي نسخة فأوحوا ( إليهم ما تم على الخلق من إهلاك العدو وإغوائه ) وإضلاله ( فاشتغلوا بدعوة الخلق إلى الملك الحقيقي عن الملك المجازي الذي لا أصل له إن سلم ) من الكدورات ( ولا دوام له أصلا فنادوا فيهم ) بما حكى اللّه تعالى عنهم في كتابه العزيز : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في جهاد أعداء اللّه( اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ )فامتنعتم من الخروج( أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌفالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن