تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
والملبس وأسباب المعاش ، فإن تهيئة ذلك أيضا تحوج إلى شغل إن تولاه بنفسه ، وإن تولاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب ممن يتولاه . ولكن بعد قطع العلائق كلها يسلم له أكثر الأوقات وإن لم تهجم به ملمة أو واقعة ، وفي تلك الأوقات يصفو القلب ويتيسر له الفكر ، وينكشف فيه من أسرار اللّه تعالى في ملكوت السماوات والأرض ما لا يقدر على عشر عشيره في زمان طويل لو كان مشغول القلب بالعلائق . والانتهاء إلى هذا هو أقصى المقامات التي يمكن أن تنال بالاكتساب والجهد فأما مقادير ما ينكشف ومبالغ ما يراد من لطف اللّه تعالى في الأحوال والأعمال فذلك يجري مجرى الصيد وهو بحسب الرزق . فقد يقل الجهد ويجل الصيد وقد يطول الجهد ويقل الحظ . والمعوّل وراء هذا الاجتهاد على جذبة من جذبات الرحمن فإنها توازي أعمال الثقلين وليس ذلك باختيار العبد نعم اختيار العبد في أن يتعرض لتلك الجذبة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا ، فإن المجذوب إلى أسفل سافلين لا ينجذب إلى أعلى عليين . وكل مهموم بالدنيا فهو
شرح
وأسباب المعاش ، فإن تهيئة ذلك أيضا يحوج إلى شغل إن تولاه بنفسه ) يشغله عم هو بصدده ، ( وإن تولاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب بمن يتولاه ) في بعض الأحوال والأحيان ضرورة ، ( ولكن بعد قطع العلائق كلها يسلم له أكثر الأوقات إن لم تهجم به ملمة وواقعة ) من ملمات الدهر ووقائعه ، ( وفي تلك الأوقات يصفو القلب ) عن الكدر ( ويتيسر الفكر ) فيتوجه على قلبه بفكره وهو ذاكر ويراقب عليه ، ( وينكشف فيه من أسرار اللّه تعالى في ملكوت السماوات والأرض ما لا يقدر على عشر عشيره في زمان طويل لو كان مشغول القلب بالعلائق ) وذلك الانكشاف لا حدّ له فيقف عليه ( والانتهاء إلى هذا ) المقام ( هو أقصى المقامات التي يمكن أن تنال بالإكتساب والجهد ) بقدر الطاقة البشرية ( فأما مقادير ما ينكشف ومبالغ ما يراد من لطف اللّه في الأعمال والأحوال فذلك يجري مجرى الصيد وهو بحسب الرزق ) المقسوم ، ( فقد يقل الجهد ويجل الصيد ) أي يعظمذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ[ الحديد : 21 ] ( وقد يطول الجهد ويقل الحظ ) فلا ينال مقدار جهده ، ( والمعوّل وراء هذا الإجتهاد على جذبة من جذبات الرحمن فإنها توازي أعمال الثقلين ) ، وعلى هذا بناء سلوك الشيخ أبي علي الفارمدي قدس سره وهو شيخ المصنف ، فالجذب عنده مقدم على السلوك ، وإليه ذهب بعض الشيوخ في الطريقة العلية النقشبندية ، ومن يتيسر له هذا الحال أولا يأمرونه بمراقبة الجلالة ثم بذكر النفي والإثبات ، وذهب بعضهم إلى أن السلوك مقدم على الجذب وأن الجذب نتيجة السلوك ، فمن قال بذلك يأمر المريد أولا بذكر النفي والإثبات ثم بمراقبة الجلالة ، ( وليس ذلك باختيار العبد ) أي حصول الجذبة الإلهية لكونه من واردات الحق . ( نعم اختيار العبد في أن يتعرض لتلك الجذبة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا ) فيتخلى عنها فيكون حريا بورود الجذبة الإلهية إليه ، ( فإن المجذوب إلى أسفل السافلين لا ينجذب إلى