تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 748

مساهمون:

ص٧٤٨
شرح
قال : كنت اجعلها كلها لقمة وأضعها في فم مؤمن فاستريح منها . قالوا لأبي حامد : فما كنت تصنع بها أنت ؟ قال : كنت اجعلها لطلاب الآخرة فأحوز ثواب ذلك . قال يحيى : أما ابن حرب فانطقه لسان العصاة ودرجته درجة التوابين ، وأما ابن خضرويه فانطقه لسان المحبة ودرجته درجة المشتاقين ، وأما أبو حامد فانطقه لسان الشفقة ودرجته درجة الزاهدين . قيل ليحيى بعد ذلك : ما كنت صانعا بها ؟ قال : وما حكم العبد في مال سيده انتظر قضاءه فيها فاصرفها فيه فهو أعرف بالتدبير . وكان يقول : الزاهد عيشه إلى يوم واحد والعارف أسقط الأمل أصلا لأن حياته بيد غيره . وقال : من صدق في الترك عذر في الأخذ يعني الدنيا - وقال : الصوف لباس العجم ما رأيته على أحد استبرع عقله . وقال : نفور العارفين من الزاهدين أكثر من نفور الزاهدين من الراغبين ، وكان يقول : الدنيا كلها لا تعدل عند ربها جناح بعوضة ، فكم مقدار تركت منها ينبغي لك أن تضعها على طبق وتقول : ما صنعت شيئا لأنه لو عرف قدر المزهود من المعرفة لم يذكر الزهد . وقال : ترى الزاهد إذا دخل في الزهد جوّع نفسه وباع شيأه كله من الخوف من الدنيا لا يشك حتى إذا قوي يقينه ورأى الأمر كائنا وجوده بغير الأسباب عرف من بعد وندم على كثير مما كان باع من كتب ومتاع . وقال : الزهد كله غصن من أغصان شجرة المعرفة . وقال : إنما يتركون ويحزنون ليفرح ويأخذون ويفرحون ليفرح فما عليهم تركوا وأخذوا وحزنوا وفرحوا إذا كان فرحه موجودا لهم في الحالتين ، فقيل له : هو يفرح ؟ قال : نعم أليس في الخبر : « اللّه أفرح يتوبة عبده من رجل أضل بعيره » الحديث . وقال : يا زاهد إن كنت تعجب ممن ترك الجنة في جنب دنياه ، فالعارف أشد تعجبا حين شغلتك الجنة عن خالقها وكل حالة تفخر بها في سيرك إليه إلا كسرها عليك الوصول ليكون فخرك به لا بغيره . قال صاحب القوت وجملة الأمر أن يحيى بن معاذ لم يكن يتكلم بلسان الزهد ولم يكن عمله يصلح للمريدين ولا للسالكين ، لأنه لم يكن من علماء الطريق ، وقد هلك بمثل هذا فريق توهموا مقام المعرفة وتظننوا حال العارف حتى فاتهم بذلك مقام الزهد ولم يدركوا حال العارفين ، وأولى الأشياء بالعاقل مراعاته لما هو حاصل ومعرفته بقدر حاله وأعمال نفسه في سر اختلاله . وقال في موضع آخر : وأما طريق يحيى بن معاذ وبعض العارفين في شأن الدنيا ، فإن من لم يتملك الملك لم يضره ما ملك بعد أن لا ينظر إلى نفسه فيه كما لا يشهده له ، بل يجده في خزانة اللّه التي هي يده وتمليكه ويكون موقوفا فيها إلى تنفيذ حكم اللّه فيه من وضعه في مواضعه وإخراجه في أوقاته إلى أهله ، فهذا مستودع يؤدي الأمانة فيه ووكيل مستخلف يطيع الموكل به ، فمقام هذا من التوحيد وشهادته بعين اليقين يزيد على مقامات الزاهدين ، وهذا وصف الصحابة الأعلمين وكان يقول : لا تأمن مكره ولا تغترن انظر أن لا تكون قد تركت الزهد والعبادة ظنا منك بأنك قد وصلت إلى درجة الحب والمعرفة فتصير في القيامة عاريا منها كلها لا في منازل العارفين ظهرت ولا فضل الزهد والعبادة أدركت . هذا مع قوله : إذا صح الزهد خرج شهوة النساء من قلبه فلم يردهن ، فإذا أقيم مقام المعرفة ردوها عليه . وقال مرة : إذا زهد ترك الشهوات فإذا عرف عاودها ويكون وجده