إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 747
علي وأبو أمامة ، فلما فرغ النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه : « أنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ولولا خصلة كانت فيه لبعث ووجهه كالشمس الضاحية » . فقلنا : ما هي يا رسول اللّه ؟ قال : « إنه كان إذا جاءه الشتاء ادّخر حلة الصيف لصيفه وإذا جاءه الصيف ادّخر حلة الشتاء لشتائه من قابل » ثم قال : « من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار » الحديث . وقد تقدم مرارا مختصرا على قوله : « من أقل ما أوتيتم اليقين » الخ وسبق قول العراقي أنه لم يجده فتنبه لذلك . فصل [ الزاهد في الدنيا مسجون ] الزاهد في الدنيا مسجون مضيق عليه وليس كل من أراد وصل إلى المسجون ، وكلما كان السجن أضيق عليه وأشد كان الوصول إلى الزهد أبعد وأشق ، ولذلك صار أولياء اللّه محجوبين عن الناس لا يصل إليهم كل إنسان إلا من توصل أو توسل على قدر تضايق السجون . فصل في سياق كلام يحيى بن معاذ الرازي في الزهد والمعرفة وقد تقدم بعضه ، ونذكر الآن ما وعدناه به قال : حبك الدنيا حب بلاء وحبك الآخرة حب بلوى ومن رضي باختيار اللّه دام فرحه ، لأن العارف من أخذ الآخرة بيمينه والدنيا بشماله وأقبل على اللّه بقلبه لا يلهيه شيء ، وما دام يخاف من وقوع الدنيا عليه فإنه لم يصل بعد ، وقعد إليه مرة رجل من الزهاد فجعل يحدثه الزاهد بأحاديث من فضل القلة والفقر ويحيى ينظر إلى وجهه كالمتعجب ، فلما قام قال : لو لم يعللوا المساكين بمثل هذه الأحاديث لتفقأت مرارتهم من الغم وكانوا لا يصبرون على الفقر . هيهات ! لم يتقدم القوم عند اللّه بفقر ولا غنى ولكن بالعلم والمعرفة . قيل له : وما عبادة العارف ؟ قال : الدنيا دار سير إلى اللّه تعالى ، فإن لم يسر بأعمال جوارحه فهو سائر بقلبه خطو القدم ذراع وخطو القلب ألف فرسخ . وقال أيضا التماسك العطر في حوانيت الصيادلة جهل إنما هو الشغل باللّه عن الدنيا والآخرة معا . وقال : طلبوا العبودية في الزهد فلم يروها الزاهد ألج من يرى يثبت على ترك الشيء أربعين سنة ، ولكنه كلما كان ألج كان أصدق بما لم يوافق نفسه هواه في الأخذ ، فلا سبيل له إليه إلا بالترك حتى يترك أخلاق العبيد ويتخلق معه بأخلاق الأحرار ، ولا يوجد صدق العبودية إلا في منازل المحبة والمعرفة . وقال في تفسير قول عيسى عليه السلام : يا عبيد الدنيا أنتم عبيد أتقياء - يعني الزهاد - ولا أحرار أقوياء يعني العارفين وقال : خض بحار المعرفة إليه تستهين جهد الزهد والعبادة في جنب ما تدفع إليه مما لا قوام للعقل عليه ، فإن البهاء مع العبادة ، والكفاية مع الزهد ، والبصيرة مع العلم ، والجوائز السنية مع المعرفة . وحكى مرة فقال : التقى أحمد بن حرب وابن حضرويه وأبو حامد فقالوا لأحمد بن حرب : إن جعلت لك الدنيا فما أنت صانع بها ؟ قال : كنت أرضي بها خصمائي لئلا تلحقني تبعة يوم القيامة . قالوا لابن خضرويه : فما كنت صانعا بها أنت ؟