إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 749
أفضل من تركه . وقال : إذا صح زهده لم يلحظ من الدنيا مشتهيا له ، فإذا لحظة قالوا : خذه فيجعلونه عليه لأن قلبه قد وقع عليه . قال : وكذلك إذا عرف لم يلحظ من الآخرة شيئا بقلبه ، فإن وقع قلبه على شيء منها جعل له كأنه يقول : إذا صح تركه للدنيا والآخرة لأجل اللّه فإنه يردهما عليه ، إذ اللّه تعالى لا يعبأ بهما شيئا ، وكان يقول : الزهد يورث السخاء بالنفس عن الآخرة وحب اللّه يشغل عن الدارين جميعا . وقال : ترك الدنيا مهر الآخرة ونفسك خير من الدنيا فلا تبعها بها ، ومن علامة المعرفة بهذا بيع الدنيا كلها في جنبها ، وقيل له : ما غاية الزهد ؟ فقال : أن لا يصحب من الدنيا ما يلزمه حفظه . فصل [ الزهد لا ينقص من الرزق ، ولكنه يزيد في الصبر ] الزهد لا ينقص من الرزق ، ولكنه يزيد في الصبر ويديم الجوع والفقر ، فيكون هذا رزقا للزاهد من الآخرة على هذه الصفة من حرمان نصيبه من الدنيا وحمايته عن التوسع فيها ، ويكون الزهد سببه فيكون ما صرف عنه ومنعه من الدنيا من الغنى والتوسع رزقه من الآخرة والدرجات العلى بحسن اختبار من اللّه تعالى وحيطة نظر ، ولعل بطالا لا عبا يحتج لتوسعه بهواه فيقول : إن الزهد في الدنيا لما لم ينقص من رزقي شيئا قد فتح لي مقاما مع التوسع والاستكثار لأني إنما آكل رزقي وآخذ قسمي ، فلي من الزهد مقام ومن الرضا والتوكل حال يزخرف على من لا يعرف الزهد ويغر بمقاله من لا يعرف طرائق الزاهدين ، ولعله ممن يأكل الدنيا بالدين ، فسمى الاحتجاج لنفسه بهواه والاعتزاز عند الجاهلين زهدا خيفة لومهم إياه ، فكان ذلك معه احتجازا عن الزهد لزهده في الزهد وقوّة رغبته في الرغبة ، ولا يعلم المغرور بدار الغرور أنه وإن كان يأكل رزقه من الدنيا ويأخذ قسمه من العطاء فبحكم البعد والبغض وبوصف الرغبة والحرص ، لأن السارق والغاصب أيضا يأكل رزقه ويأخذ قسمه ولكن بحكم المقت وسوء الاختيار ، إذ كان اللّه سبحانه يرزق الحرام للظالمين كما يرزق الحلال للمتقين ، وإنما بينهما سوء القضاء للأعداء وحسن التوفيق والاختيار للأولياء ، فقد حرم المدعي لذلك رزقه من الزهد وبخس نصيبه الأوفر من حب الفقر ونقص حظه الأفضل من الآخرة إذ كانت الدنيا ضدها وجعل ما صرف فيه وما صرف إليه سببا لنقصان مرتبته من طريق الزاهدين ، وأنه قد اختبر بالدنيا وبما فتح عليه من السراء ليظهر صدقه من كذبه ، فوقع في الفتنة ولم يفطن للابتلاء وصارت مشاهدته هذه عن وجوده حجابا له عن علوم العارفين ، فاستدرج بعلمه هذا وعدل به إليه عن علوم الخائفين ومشاهدة الورعين الزاهدين ، هذا إذا كان صادقا في مشاهدته تلك ، وإن كان كاذبا في دعواه فهم من أولياء الشيطان ومن المحرومين الغافلين قد مكر به وعدل عن علوم الموقنين ، وقد قال بعض العارفين : من كتم ما يجده من أفات نفسه عوقب بادعاء منزلة لم يبلغها ، نعوذ باللّه من الاغترار بعلم الاظهار ، ونسأله التوفيق لمشاهدة علم التحقيق .