تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 745

مساهمون:

ص٧٤٥
شرح
البصرة على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : فلما قاربوا دخول المدينة نزعوا ثياب سفرهم ومهنتهم ولبس كل واحد ثوبين جديدين أو غسيلين أو قال أبيضين . قال : وفعلت مثل ذلك ، فلما دخلنا أطراف المدينة نريد الدخول إلى عمر جعل أهل المدينة يرمقوننا بأبصارهم ويعرضون ، وجعلوا يلحظوننا وتنبو أبصارهم عنا فسمعتهم يقولون : أبناء دنيا . قال : فعلمت أن القوم ليسوا وأمثالنا وأنهم أهل الآخرة ، فعطفت رأس راحلتي ونزعت ثوبي ورددتهما إلى العيبة ، ثم أخرجت ما كنت خلعته من ثياب سفري وبذلتي فلبسته ، ثم دخلنا على عمر قال : فجعل الناس تنبو أعينهم عن أصحابي وينظرون إلي من بينهم كأنهم يغبطوني . قال : فلما نظر إليهم عمر وكان أول يوم رأيته ، فإذا رجل عليه خلق مرقوع وعلى كنفه درة ، فلما قفلنا من بعيد أخذ كفا من حصى فحصبنا به قال : ثم لحظني بعينه ، فقال : هذا نعم فأدناني وقربني من بينهم وقال : من أنت للّه درك أو قال أبوك ؟ فقلت : أنا الأحنف بن قيس التميمي . فقال : أنت سيد قومك ؟ قال : وأعجبه هيئتي فقام واتكأ على يدي فجعل يسألني عن الطريق وعن الركاب وكيف كنا نسير بها إلى أن وافى رحلنا وموضع مناخنا ، فرمق عيبتي فرأى طرف الثوب خارجا فلمسه وذكر أول الخبر الذي تقدم ذكره . فصل روينا في الإسرائيليات أن موسى عليه السلام وصف الزهد لبني إسرائيل فقام إليه رجل منهم فقال : يا نبي اللّه أنا منهم . قال : أنت إذا تغديت تجد ما تتعشى . قال : نعم . قال : اجلس فلست منهم ، ثم قام إليه آخر فقال : يا نبي اللّه أنا منهم . قال : أنت إذا تغديت تجد ما تتعشى . قال : لا . قال : فلك ما تبيع ؟ قال : نعم . قال : اجلس فلست منهم ، فقام إليه آخر فقال : يا نبي اللّه أنا منهم . قال : أنت إذا تغديت تجد ما تتعشى ؟ قال : لا . قال : فلك ما تبيع ؟ قال : لا . قال : فلك من يقرضك ؟ قال : نعم . قال : اجلس فلست منهم ، ثم قام آخر فقال : أنا منهم . فقال له مثل ذلك إلى أن قال : فلك من يقرضك ؟ قال : لا ولا أملك من الدنيا إلا هذه الشملة من الصوف ولقد آذاني فيه الدواب وأنا استحيي من ربي عز وجل أن أنزعها فأفليها واتعرى بين يديه . قال : اجلس أنت منهم ، فهذا الذي أراده موسى عليه السلام من الزهد هو حقيقته ، وهو زهد أولي العزم من الزهاد ، وهذه الحال من عزائم الأمور وتفصيل مقاماته أن للزهد في حال الفقر مقامات . فالمقام الأول : هو أن لا يجد الفقير معلوما غير ما حمل في جوفه وعلى ظهره ، وهذا هو حال الفقير الأول الذي قال له موسى : لست منهم يعني من أولي العزم من الزهاد ، إذ لم يكن حاله حال عزيمة الزهد لأجل وجد العوض المعتاد وهو فضل ما يبيعه من العوض فقام له مقام المعلوم من النقد . المقام الثاني : من الفقر في الزهد هو فقد العوض الذي هو عوض عن الناض وهذا حال الثاني . المقام الثالث : هو أن يعدم الأعراض والأعواض وليس هو حقيقة الفقر لأجل بقاء الأسباب
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 745 | مرتضى الزبيدي