إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 750
فصل [ الزهد في الدنيا على ثلاثة أحوال : ] الزهد في الدنيا على ثلاثة أحوال : رجل قد غلبها موجودة ومفقودة ، ورجل قد غلبته موجودة ومفقودة ، ورجل قد غلبها مفقودة وغلبته موجودة . تفسيره : أن من الناس من قهر هواه وملك نفسه وشهوته وهو قادر عليها وهي موجودة له ، فذلك أحرى أن يغلب نفسه فيما فقد من الدنيا وغاب عنه وهذا مقام الصديقين . والثاني : قد غلبته نفسه وأهواه الهوى وأمالته الشهوات موجودة إذا قدر عليها ومفقودة له بالاهتمام بها والفكر والخواطر فيها والإرادة لها ، فهذا ساقط لاقط لا مقام ولا وصف وهذا حال الجاهلين ونعت الغافلين . والثالث : قد غلبته نفسه في الموجود من الهوى والحاضر من الشهوة ، فإذا غاب ذلك عنه غلبها في العدم وملكها عند الفقد ، وهذا حال المجاهدين وطريق السائرين ونعت المريدين . وقد قيل ليحيى بن معاذ : أيصل العبد إلى درجة يسلم فيها من الذنب ومن الزهد إلى درجة يستغني فيها عن الدنيا ؟ فقال : هذا لا يكون لا يستغني عن الدنيا أحد ، وإنما وقع التفاضل بين الناس على القليل والكثير ، فأزهدهم فيها أقلهم حظا منها كما لا يسلم من الذنب أحد ، ولكن أفضلهم أقلهم ذنبا ، وكان رحمه اللّه يقول في العدل قولا فصلا قال : إن زهادكم يأمرونكم بأن يكون الدرهم أوّل شيء تتركونه من الدنيا ، وأنا آمركم أن يكون الدرهم آخر شيء تتركونه منها . قيل له : لم ذلك ؟ قال : لأن الدرهم معلق على شهوة النفس والشهوة معلقة على النفس ، فترك الدرهم من قبل إزالة الشهوة عن النفس بالسياسة خطأ ودخول في الطمع لمن عنده الدرهم ووقوع البلاء ، حتى إذا زالت بحسن السياسة هذه الشهوة عن نفسك ذهب عنك حب الدرهم شئت أم أبيت ضرورة ، إذ كانت علة حبك له الشهوة والشهوة قد ذهبت وبالدرهم يتم أمر هذه السياسة ، فلهذا قلت : أجعل الدرهم آخر شيء تتركه بعد الفراغ من النفس . واعلم أن إمساك الدرهم على هذا التدبير لا يكون علاقة ولكنه يكون سياسة يصلح به ، وكان يقول : راحة الأبدان في زهد القلوب ، ومشقة الأبدان في حرص القلوب ، وقال : طلبت الدنيا فلم أسترح ، وطلبت العلو فلم أسترح ، وطلبت العبادة والعلم فلم أسترح ، ودخلت في الزهد واستوطنت الثقة باللّه فاسترحت . وكان يقول : ما دامت شهوة النفس معك فأنت مطية الدنيا وتساق المطية حيث يريد صاحبها لا حيث تريد هي ، وإذا ذهبت الشهوة فالدنيا مطيته يسوقها حيث يريد . وقال بعض أهل المعرفة : إن اللّه لا يرضى ممن عرفه أن يعلق بشيء دونه ، فإن فعل ذلك غمه اللّه ولوعه من ذلك حتى يرجع إليه ، ويقال : إن من صح زهده في الدنيا حتى يستوي عنده ذهبها وحجرها مشى على الماء ، وفيه قال الشاعر : لو كان زهدك في الدنيا كزهدك في * وصلي مشيت بلا شك على الماء وقال يحيى بن معاذ : أولياء الآخرة ثلاثة : قانع وزاهد وصديق ، فالقانع المحترف الطالب للحلال المنفق على السبيل والسنة ، النازل عن جناح الرغبة في طلب الفضول من حطام الدنيا ،