شرح
والزاهد التارك للطلب ومعه شهوته ، فإن أصاب نعيم الدنيا من غير كلفة أكل ونكح وإن منع صبر ورضي ، والصديق هو واجد النعيم لا يريده لمزايلة الشهوة إياه . وقال أيضا : ليس بزاهد من استخدم غيره بما يصل هو إلى فعله . وقد قال أبو سليمان لأحمد بن أبي الحواري : إذ قال قلت لبعض أصحابنا : اسقني ماء فناولني شربة ، فقال لي أبو سليمان : رأيت من زهد في الدنيا يستخدم ويقول : اسقني ماء ، وكان يحيى بن معاذ يدخل العلم والعبادة في الزهد يجعل الثلاثة كالشئ الواحد لا يتم بعضه إلا ببعض ، فقال : الزهد والعبادة والعلم مثل الثوب وسداه الزهد ولحمته العبادة ونساجه العلم لا يلتحم الثوب بغير هذه الثلاث . كذا لا يلتحم أمر الآخرة إلا بثلاثها ، وكان يحيى بن معاذ يقول : إذا وصل فرح فإذا اتصل استأنس فقيل له : نراك تفرق بين الوصول والاتصال فتجعل الاتصال أعلى وأقرب فقال : اضرب لكم مثلا رجل سار طريقا وقصد ملكا كريما ، ثم وصل إليه حتى إذا قدم عليه فقد وصل ثم يتصل بمنادمة الملك شيئا بعد شيء يتقرب به إليه ويقرب منه حتى يدنيه الملك ويؤنسه ، فالسير والتعب لقطع المنازل والفرح في الوصول والانس في الاتصال ، والاتصال كان مقام أبي يزيد ، والوصول كان مقام يحيى بن معاذ رحمة اللّه عليهما .
فصل
قال أبو يزيد البسطامي : حقيقة الزهد لا يكون إلا عند ظهور القدرة والعاجز لا يصح زهده وهو أن يعطيه كن ويطلعه على الاسم ويقدره على الأشياء باظهار الكون فيزهد في ذلك حبا للّه تعالى أن يعمل عمله ، ويتركه حبا للّه تعالى أن يقوم مقام القدرة ، وكشف هذا المقام يخرج إلى علم غريب لا يعرف وسر عجيب لا يوصف . وفقنا اللّه وإياكم لما يحب ، وبلغنا ما نؤمل منه بفضله ورحمته .
وهذا آخر شرح كتاب الفقر والزهد ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العلي العظيم ، والحمد للّه رب العالمين ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . نجز ذلك على يد مسوده أبي الفيض محمد مرتضى الحسيني تاب اللّه عليه بمنه ، في ضحوة نهار الأربعاء لتسع بقين من شوّال سنة 1200 حامدا للّه مصليا مسلما مستغفرا .
( انتهى الجزء الحادي عشر ويليه إن شاء اللّه الجزء الثاني عشر
وأوله كتاب التوحيد والتوكل )