تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 746

مساهمون:

ص٧٤٦
شرح
التي تقوم مقام الأعواض ، وهو الجاه الذي يستقرض به فيقرض وهو أيضا سبب به يعرف لأجل معرفته افترض ، فهذا يحجبه عن حقيقة الفقر وينقصه عن عزيمة الزهد ، فحسب موسى عليه السلام وجود الجاه له رغبة منه هي دون اللّه تعالى حتى يكون بالوصف الذي وصف اللّه به أولياءه في الغاية من قوله تعالى :حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ[ التوبة : 118 ] فهذا مثل فقد المعلوم الذي تقوم به الأشياء وهو بمعنى حال الأول ، ثم قال :وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ[ التوبة : 118 ] فلم يبق له عوض يقوم مقام المعلوم الذي له قيمة شيء فيبيعه وهذا بمعنى حال الثاني ، ثم قال : وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ، فهذا سقوط الأعواض بعد فقد الأعراض ، وعدم الجاه الذي هو سبب الاستقراض فلم يبق له جاه يعول عليه ولا معرفة من الخلق ولا سبب بينه وبينهم ينظر به إليه ، ولم يبق بينه وبين اللّه إلى اللّه مأوى يسكن فيه ولا ظل يستظل به ولا ملجأ يستند إليه حينئذ قال اللّه تعالى بعد بلوغ الغاية :ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا[ التوبة : 118 ] أي عطف عليهم لينعطفوا عليه ونظر إليهم لينظروا إليه ، وهذا وصف الثالث الذي قال له موسى عليه السلام : أنت منهم إذ قد تحقق بالفقر وبلغ عزيمة الأمر فلم يجد دون اللّه سببا منفصلا من مال ولا معنى متصلا من حال وهو الجاه والمنزلة الذي يقوم مقام الأعراض ويتسبب به إلى الأسباب ، فهذا وصف فقير فقير ونعت غريب غريب الدار في وطنه غريب الوجد من مسكنه غريب العلم من دمنه غريب الحال من أمته غريب في غربته غريب في تغربه غريب بمغربه لا يعرفه أبناء جنسه ، متوحد بأنيسه عن أنسه ، قد طمست نفسه في رمسه وشغل بيومه عن غده وأمسه ، فهذا من وحش الملل في داره وأنسه لزواره ، قد قرت عينه بقراره وفرّ من إيلافه وفراره وصفت روحه من إقذاره فهو موضع نظره ومعقل خبره وغيث بلاده وروح عباده ، ومن خالص وداده قد زهد في زهده وعدم وجوده بوجده وفنيث نفسه عن جهده وبقيت روحه بموجده ، وكذلك روينا أن داود عليه السلام سأل ربه عن المعرفة وكأنه تشوق إليها ، فأوحى اللّه إليه : لا بدّ لك من سبد ولبد ، ومن عرفني لم يسكن إلى سبد ولبد ، واللّه الموفق . فصل قال صاحب القوت : حدثني عبد الكريم بن أحمد ، حدثني جعفر بن محمد ، حدثنا الخواص عبد اللّه بن الحسين ، حدثني سعدون بن عبد الرحمن المكي ، عن المغيرة بن قيس ، عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة قال : أتينا على أهل ماء في سفر لنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأسود مولى لهم ميت بالأمس ليس له ثوب يكفنونه وما عندهم غاسل يحسن غسله قد قطع له لا يدرون كيف يأتون ، فهجمنا عليهم من الغد ظهرا وقد أروح وترك القوم خباءهم وخرجوا كراهية لجواره ، فكان أول من نزل منا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم مشى حتى دخل عليه ، فجاءه القوم يعتذرون إليه من تركهم إياه ، فانطلق النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى قام على بئر لهم عادية فتفل فيها فاستحالت عذبا فأسقينا ، وأمر عليا وأبا أمامة فغسلاه وكفنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بردة له ما زاده عليها ، ثم صلّى عليه ، وولي إدخاله في قبره
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 746 | مرتضى الزبيدي