تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 744

مساهمون:

ص٧٤٤
شرح
من الإيمان والقناعة باب من الزهد والرضا باليسير من الأشياء حال من الزهد والتقلل في الأشياء مفتاح الزهد . فصل قال بعض السلف : أبي أهل العلم باللّه أن يسمعوا الحكمة والوعظ إلا من الزاهدين في الدنيا وقالوا : ليس أهل الدنيا لذلك أهلا ولا يليق بهم ، وفعله رجاء بن حيوة عالم الشام : بلغنا أنه كان يجلس إلى رجل زاهد ببيت المقدس فيستمع إليه ، فجاء يوما إلى مجلسه وقد اجتمع الناس فجلس وراءهم وهو يحسب أنه فيهم ، فلما أبطأ تكلم شيخ في المجلس وهو مؤذن ببيت المقدس لا بأس به ، فأنكر رجاء صوته فقال : من هذا المتكلم ؟ فقال الشيخ : أنا رحمك اللّه . فقال : اسكت عافاك اللّه فإنا نهينا أن نسمع الزهد إلا من أهله ، وقال نحوه سلمان لعمر بن الخطاب ، وذلك أنه حمل إليه أبراد فكسا الصحابة بردا بردا ، فلما كان في يوم الجمعة خرج في بردين فخطب ، فلما قال في وعظه : ألا اسمعوا فقام سلمان فقال : واللّه لا نسمع . قال : ولم ، قال : لأنك كسوتنا بردا بردا وخرجت علينا في حلة . فقال : رحمك اللّه إني غسلت ثوبي ولم يكن لي غيره فاستعرت هذا وهو برد عبد اللّه بن عمر . فقال : قل الآن حتى نسمع . وهذا أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل وهو من أئمة الدين لما سئل عن الصدق ما هو ؟ قال : هو الإخلاص . قال : فما الإخلاص ؟ قال : هو الزهد ، فقيل : يا أبا عبد اللّه وأي شيء الزهد ؟ فسكت . فقال : سلوا الزهاد سلوا بشرا . وقال أبو طالب الوراق : دخلت عليه في جماعة من أصحاب الحديث كنت قد نسخت لهم كتاب الزهد الذي جمعه لأقرأه لهم عليه ففرش لنا في الدار حصير جديد ونزل إلينا من غرفة له ، فلما قعد وأخذ الأصل بيده أطبقه ثم قال : يا أبا طالب الزهد لا يقرأ إلا على الزهد وكشط الحصير الجديد من تحتنا وقعدنا على التراب . فصل يروى أن عمر رضي اللّه عنه خطب الناس فقال : أنشد اللّه رجلا علم في عيبا إلا أخبرني به ، فقام شاب في المجلس فقال : يا أمير المؤمنين فيك عيبان اثنان . قال ما هما رحمك اللّه ؟ قال : تذيل بين البردين وتجمع بين الأدمين . قال : فما أذال بين البردين ولا جمع بين الآدمين حتى لقي اللّه عز وجل . هكذا يروى تذيل بالذال المعجمة وله معنيان : أشهر هما أي تجمع بين ذيل ثوبك فيتفق ذيل البرد الأعلى مع ذيل البرد الأسفل لطوله ، واغرب الوجهين أن معنى تذيل تضع ثوبين معا أي نتركهما موضوعين لك ولا يبعد أن يكون بالدال المهملة ، والمعنى تبدل بردا ببرد دولة هذا ودولة هذا ، وأراد أن يكون له واحد لا يذيله بآخر . فصل تقدم قول الأحنف بن قيس : ما كذبت كذبة إلا مرة وله قصة ، وهي أنه وفد مع قومه من