شرح
مقام في الزهد لمن لم يردف الإرادة بإخراج المزهود فيه ، لأن الإمساك علامة الرغبة والرغبة ضد الزهادة ، فكيف يوصف بالشيء وضده في حالة قائمة ؟ فالممسك للشيء المتوهم للزهد بإظهار نفسه ذلك بأحد وصفين : إما أن لا يعرف الزهد أو لا يعرف خفي شهوة النفس ولطيف تمنيها من معدن حسن ظنها بوصفها . هذا إن لم يموّه على الراغبين ولم يكذب على وجده لأجل خفي الرغبة فيهم ، والمخرج للشيء عن يده المخرج لقلبه منه هو المتحقق بالزهد فيه ، والممسك للشيء المغتبط بإمساكه الذي همه فيه وقلبه عاكف عليه هو المتحقق بالرغبة فيه ، وكذلك كل من أمل شيئا وادخره لنفسه لا يكون زاهدا فيه حتى يخرجه من يده وقلبه استصغارا له وتعوضا منه .
فصل
قد يصح الزهد للعارف في الشيء مع وجوده عنده إذا لم يقتنه لمتعة النفس ولم يتملكه ويسكن إليه ، بل كان موقوفا في خزانة اللّه تعالى التي هي يده منتظرا لحكم اللّه فيه وصحة ذلك استواء وجوده وعدمه والمسارعة إذا رأى حكما للّه أن ينفذه ويكون كأنه لغيره من إخوانه أو سبيل من سبل اللّه ، وقد يصح الزهد مع الوجود لمن دون العارف من المريدين إذا أمسك الشيء لأوقات حاجته واستعان به على آخرته أو يكف به نفسه عن الرغبة والطمع ويقمع طبعه عن الشره والضرع ، ويكون سببا لقطع التشرف وحسم النفس من التصنع والتكلف ، وقد يكون هذا المقام للخصوص من العلماء بهذه النيات زائدا على مقامات من الزهد للمريدين .
قال عبد الرحمن بن مهدي : خرج محمد بن يوسف الأصبهاني إلى مكة ومعه مائة دينار وليس معه إلا كساء أدبت وما رأيت مثله ، وكذلك يحيى بن سعيد القطان ما رأيت مثله وقدمه على الثوري ، ولما قدم عبد الجليل الزاهد إلى واسط اجتمع إليه أهل العراق يسألونه عن الزهد فقال :
اصبروا حتى أبيع دقاق تمر حملته من البصرة وأتفرغ لكم للمسائل ، وكان يتجر فيجعل ثلثا لأهله وعياله ، وثلثا لإخوانه الفقراء ، وثلثا يرده في تجارته ، وكذلك كان حال جماعة من زاهدي السلف فلم يكن ذلك ينقصهم عند العلماء وكان مزيدا في حالهم وطريقا لهم إلى مقامهم من الزهد وهو وصف الأقوياء من الزهاد .