تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 742

مساهمون:

ص٧٤٢
شرح
لضعفهم لئلا يهلكوا بقبولها ، فلما تمكن منهم ومكنهم عنده ردّها عليهم لأنهم قد صلحوا للأخذ آخذين ما آتاهم ربهم أنهم كانوا قبل ذلك محسنين ، فلما ذاقوا حلاوة الزهد وجدوا نعيم الحب لم يكن عندهم للدنيا ولا في قلوبهم قدر ، فاعرضوا عنها لما عرضها عليهم بحسن إقبالهم عليه . فصل كان عون بن عبيد اللّه المسعودي يحكي عن طريقة السلف فقال : إن من كان قبلكم كانوا إنما يجعلون لدنياهم ما فضل من آخرتهم ، وأنكم تجعلون آخرتكم ما فضل عن دنياكم أي لرحجان كفة الآخرة في قلوبهم وغلبة أمرها عليهم ولقوة يقينهم يقدمون شأنها فيبدأون بأن ينقلوا من دار عنها يرتحلون إلى دار فيها يقيمون أحسن ما يدخرون ، ويقدمون لدار الحياة والبقاء المؤبد من محل الموت والفناء المؤقت المحدود أجود ما يقتنون ، إذ دارهم أمامهم وحياتهم بعد موتهم لأنهم خلقوا للآخرة لا للدنيا وللبقاء لا للفناء ، ثم يجعلون ما فضل من عيشهم لدنياهم لأنه متاع في الحال وبلاغ إلى وقت وحين ، وهذا علامة حسن اليقين وهو يقين الزهد الذي صار الزهاد به زاهدين ، لا يقين الإيمان الذي صار به المسلمون مؤمنين بنفي الشرك بالصاحبة والولد .

فصل [ أصل الرغبة في الدنيا من ضعف اليقين ]

أصل الرغبة في الدنيا من ضعف اليقين ، لأن العبد لو قوي يقينه نظر بنوره إلى الآجل فغاب في نظره العاجل فزهد فيما غاب وأحب الحاضر فآثر ما هو أعود عليه وأبقى وأنفع له ولمولاه أرضى وقدم ما يفنى وينقطع إلى ما يدوم ويتصل ، وهذا هو صورة الزهد وشهادة الموقن ، لأن الحاضر لا يحب ما غاب وانتقل . ألم تسمع إلى وصفه تعالى إبراهيم عليه السلام في قوله :لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ[ الأنعام : 76 ] بعد قوله :لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَفالموقن مأمور باتباع ملة إبراهيم ، وليس يشهد الوعد والوعيد بنور العقل إنما يشهد بنور اليقين .

فصل [ الزهد يكون بمعنيين : ]

الزهد يكون بمعنيين : إن كان الشيء موجودا فالزهد فيه إخراجه وخروج القلب منه ولا يصح الزهد مع تبقيته للنفس لأن ذلك دليل الرغبة فيه وهذا زهد الأغنياء ، وإن لم يكن الشيء موجودا وكان العدم هو الحال ، فالزهد هو الرضا بالحال والغبطة بالفقد وهذا زهد الفقراء ، وكذلك في القدرة على الهوى لا يصح إلا مع وجود الابتلاء به ، فمتى قدر عليه فصبر عنه لمجاهدة نفس أو مدافعة وقت أو قطع سبب فذلك زهده فيه ، فأما أن يريد أن يزهد فيه أو يهم بتركه أو يعزم على قطعه فليس ذلك زهدا فيه ، بل نيات وإرادات من غير حقيقة ، فمن أخرج من يده الشيء طوعا ونفسه تتبعه فله مقام في الزهد بالمجاهدة ، ومن أمسك الشيء وأظهرت نفسه الزهد فيه بالإرادة والهمة فذلك تأميل وتمن يدخل في باب نيات الخير لا في المسارعة إلى الخيرات ولا المسابقة بالقربات بالسعي لها والمنافسة فيها ، ولا مقام في المنافسة لمن لم يتبع الإرادة بالسعي والمعاملة ، ولا