تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 741

مساهمون:

ص٧٤١
شرح
وأما وهب بن منبه فقد جعل الزهد من استكمال العقل فقال : لا يستكمل العبد العقل حتى تكون فيه هذه الخصال : يكون الفقر أحب إليه من الغنى ، والذل أحب إليه من العز ، والتواضع أحب إليه من الشرف ، فهذا عقل العالمين باللّه وهم عقلاء الموقنين وهو عقل هداية الآخرة المنوط بمعرفة الآخرة ، لا عقل الواله على الدنيا المرتبط بالعكوف على الخلق لقوة مشاهدة الخلق بعين اليقين ولضعف شاهد المعقول باستجلاب حظوظ النفس من الفضول ، فلذلك جعل ابن مسعود هذه الثلاث من حقيقة الإيمان وذروته . ولعمري أن كمال الإيمان وأعلاه هو بكمال العقل ونهاه ، فالعقل مكان الإيمان مثله كالفتيلة مكان المصباح ، فإذا حقق الإيمان وكمل زيد في تحقيق العقل وتكميله وكان معه الزهد بحقيقته . فصل قال سعيد بن جبير رحمه اللّه تعالى : إنما فضل اللّه الأنبياء بما أعطاهم من العلم به وما زهدوا في الدنيا مع القيام والصبر عليه ، فجعل العلم باللّه معيارا على النبوة تفاضل الأنبياء وهو علم اليقين الكاشف لعين اليقين المتجلي به وصف الوحدانية وجعل سبب ذلك الزهد ، فالزهد مقتضى اليقين لأنه موجب الزهد فهو عنه ولذلك فسروا الزهد باليقين . فصل قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق بما في يد اللّه وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها ارغب فيها لو أنها أبقيت لك » . رواه الترمذي . وقال غريب ضعيف من حديث أبي ذر ورواه البيهقي في الزهد كذلك . ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي الدرداء . وروى الديلمي من حديث ابن عباس : « الزهد في زماني هذا في الدنانير والدراهم ، وليأتين على الناس زمان الزهد في الناس أنفع لهم من الزهد في الدنانير والدراهم » . وروي أيضا من حديث أبي هريرة : « الزهد أن تحب ما يحب خالقك وأن تبغض ما يبغض خالقك وأن تتحرج من حلال الدنيا كما تتحرج من حرامها فإن حلالها حساب وحرامها عذاب وأن ترحم جميع المسلمين كما ترحم لنفسك وأن تتحرج عن الكلام فيما لا يعنيك كما تتحرج من الحرام وأن تتحرج من كثرة الأكل كما تتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها وأن تتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما تتحرج من النار وأن تقصر أملك من الدنيا » ، فهذا هو الزهد في الدنيا . فهذه الأخبار الثلاثة جامعة لحقائق الزهد . فصل قال سهل التستري رحمه اللّه تعالى : الصديقون في بدايتهم طلبوا الدنيا من اللّه فمنعهم ، فلما تمكنوا من أحوالهم عرضها عليهم فامتنعوا منها ، فالحال الأول : موضع العصمة إن منعهم منها