تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 740

مساهمون:

ص٧٤٠
وقال الفضيل رحمه اللّه : جعل اللّه الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا ، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا . فهذا ما أردنا أن نذكره من حقيقة الزهد وأحكامه ، وإذا كان الزهد لا يتم إلا بالتوكل فلنشرع في بيانه إن شاء اللّه تعالى .
شرح
وقال الفضيل ) بن عياض رحمه اللّه تعالى : ( جعل اللّه الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا ) ولذلك جعل أساس كل خطيئة . وقال بعضهم : أصول الشر ثلاثة : الحرص والحسد وحب الدنيا ، وفروعه ستة : طلب الرئاسة والفخر والثناء وحب الراحة والطعام والنوم ، ( وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا ) فإذا أعرض العبد عنها تيسرت له الخيرات كلها ، وهذا القول نقله القشيري في الرسالة بسنده قال : سمعت محمد بن عبد اللّه يقول : حدثنا محمد بن الحسين ، حدثنا محمد بن جعفر قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول فذكره ، وعزاه صاحب القوت إلى سفيان الثوري والفضيل أي أن هذا القول قد روي عن كل منهما . ( فهذا ما أردنا أن نذكره من حقيقة الزهد وأحكامه ) وثمراته ، ( وإذا كان الزهد لا يتم إلا بالتوكل ) لكونه شرطا فيه ، ( فلنشرع في بيانه إن شاء اللّه تعالى ) . ولنختم هذا الباب بفصول فيها بيان لما أبهمه المصنف ، وتفصيل لما أجمله ومزيدا لما أشار إليه تارة وتركه أخرى فنقول :

فصل [ الورع لا يوصل إليه إلا بعد الزهد في الدنيا ]

الورع لا يوصل إليه إلا بعد الزهد في الدنيا لأنه إذا لم يزهد في شيء لم يمكنه أن يرع عنه ، فإذا أعطى الزهد فيه وعوض من الرغبة بدلا منه سهل عليه الورع عنه فتركه زهدا في الدنيا ورغبة فيما وعد اللّه وخيفة من المطالبة به وحبا لموافقة محبة اللّه بتركه . ألم تسمع إلى حسان بن أبي سنان وكان من خيار التابعين إذ يقول : ما زاولت شيئا أيسر من الورع عليّ . قيل : وكيف ونحن نظن أنه من أشد الأعمال ؟ فقال : إذا رابني أمر تركته ، فلما وهب له الزهد فيه وعوض عنه محبة اللّه به هان عليه الورع . فصل قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ، ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى ، والتواضع أحب إليه من الشرف ، والذل أحب إليه من العز ، وحتى يكون مادحه وذامه عنده سواء ؛ فهذا هو تفسير حقيقة الزهد في النفس وهو يستوعب كلية الزهد في الدنيا ، والثلاث الأخر التي قرنها بالفقر هن من إخبات الفقير إذا كان صادقا زاهدا . كان ذليلا في نفسه متواضعا بنفسه لا يكترث بمدح ولا ذم لسقوط نفسه عنده وإطراح الخلق عنده ، فهذا علم وجود اليقين الذي ضده علامة النفاق أن يكره الذم ويحب المدح .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 740 | مرتضى الزبيدي