تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 739

مساهمون:

ص٧٣٩
وقال له رجل : متى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزهد وأقعد مع الزاهدين ؟ فقال : إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر إلى حدّ لو قطع اللّه عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح . وقال أيضا : الدنيا كالعروس ومن يطلبها ماشطتها ، والزاهد فيها يسخم وجهها وينتف شعرها ويخرق ثوبها ، والعارف يشتغل باللّه تعالى ولا يلتفت إليها . وقال السري : مارست كل شيء من أمر الزهد فنلت منه ما أريد إلا الزهد في الناس فإني لم أبلغه ولم أطقه .
شرح
( رجل متى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزهد وأقعد مع الزاهدين ) وفي بعض نسخ الرسالة : وسئل أيضا متى أبلغ حقيقة الزهد وأقعد مع الزاهدين ( فقال : إذا صرت ) أي وصلت ( من رياضتك لنفسك في السر إلى حدّ لو قطع اللّه عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك في بساط الزاهدين جهل ، ثم لا آمن عليك أن تفتضح ) بينهم نقله القشيري في الرسالة ، وهو تنبيه على أنه لا ينبغي للعبد أن يقطع الأسباب ويتجرد عنها حتى يجد من نفسه قوّة على الصبر على ألم الجوع نحو ثلاثة أيام ، ولا يجد منها الضعف عن عبادته ، وإلّا كان مغرورا ومعرضا نفسه إلى سؤال الخلق ، ولا يخفى أن هذا من علامات الزهد لا أنه من حقيقته . ( وقال أيضا : الدنيا كالعروس ) المجلوة تراها الأبصار وتحبها القلوب وتمدحها الألسن من حيث أن اللّه تعالى خلقها وجملها بالمال والبنين وغيرها ، ( ومن يطلبها ) ويعمرها ( ماشطتها ) من حيث أنه يديرها حسنا للمغرورين ، ( والزاهد فيها يسخم ) أي يسود ( وجهها وينتف شعرها ) الذي هو من جملة الزينة ( ويخرق ثوبها ) من حيث أنه لما عرف نقصها وفناءها وقطعها للعبد عن عبادته اشتغل بتزهيد الخلق فيها وتقبيح محاسنها ، ( والعارف ) باللّه ( يشتغل باللّه ) تعالى لا يلتفت إليها لكمال شغله باللّه وبمعرفته وجماله وجلاله ومناجاته عن ذمها فضلا عن مدحها ، وهذا القول نقله القشيري أيضا ، وليحيى بن معاذ نتف كلام في مقام الزهد والمحبة غير ما ذكره المصنف وقد تقدم بعضه ، وسيأتي بعضه في خاتمة الكتاب . ( وقال السري ) السقطي رحمه اللّه تعالى : ( مارست كل شيء من أمر الزهد ) فنلت منه ما أريده كالزهد في المطعم والملبس والمنام وفضول الكلام ( إلا الزهد في الناس ) أي في لقائهم والتبسط معهم والاستئناس بمحادثتهم ، ( فإني لم أبلغه ولم أطقه ) أي لعزته نقله القشيري ، وهذا أيضا من علامات الزهد ، وقد جعله بعض حدا له كما تقدم .