تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 738

مساهمون:

ص٧٣٨
وقال النصراباذي : الزاهد غريب في الدنيا ، والعارف غريب في الآخرة . وقال يحيى بن معاذ : علامة الزهد ثلاث : عمل بلا علاقة ، وقول بلا طمع ، وعز بلا رئاسة . وقال أيضا : الزاهد للّه يسعطك الخل والخردل ، والعارف يشمك المسك والعنبر .
شرح
إلى غيرها فقد اشتغل عنها وعن اعراضها عن ذلك ، فلا يكون زاهدا ، ومتى زهد في شيء من الدنيا وبقي عليه شيء لم يزهد فيه لم يكمل زهده ، ولذلك لما سئل الجنيد عمن لم يبق عليه من الدنيا إلا التنعم بمص النواة قال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم . أشار به إلى أن من بقي عليه ما ذكر لم تكمل حريته من رق الشهوات ، ( ولا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه ) عن مولاه لأن شغله إنما هو بمولاه عمن سواه نقله القشيري . ( وقال ) القشيري : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت ( النصراباذي يقول ) ، وهو أبو القاسم إبراهيم بن محمد شيخ خراسان في وقته ، وصحب الشبلي وأبا على الروذباري والمرتعش ، وكان إماما محدثا صوفيا مات بمكة سنة 367 ، ( الزاهد غريب في الدنيا ، والعارف ) باللّه ( غريب في الآخرة ) أي لأن أكثر العمال لها إنما يعملون خوفا من العقاب أو رجاء للثواب بخلاف العارفين فإنه بمعرفة جلال اللّه وعظمته وبحسن وجوب عبوديته لحق أمره ونهيه لا يترك العمل أصلا ، وهذا غريب قليل في أبناء الآخرة . ( وقال يحيى بن معاذ ) الرازي رحمه اللّه تعالى : ( علامة الزهد ثلاث ) : إحداها ( عمل بلا علاقة ) أي خالصا للّه تعالى لا لعلة من علل الدنيا ولا لخوف العقاب ورجاء الثواب في الآخرة . فكمال زهده في الحظوظ العاجلة والآجلة أن يكون عمله لوجه ربه خاصة دون غيره . ( و ) الثانية : ( قول بلا طمع ) أي عاجل ولا آجل ، فيخلص في أقواله كما يخلص في أعماله . ( و ) الثالثة . ( عز بلا رئاسة ) بأن يكون عزيزا عن أن يذل نفسه في طلب الدنيا فيتعاطى الأمور الخسيسة التي تزري بقدره فلا يكون عزه إلا بمولاه ، وربما أغناه به بفضله عمن سواه . وهذا القول نقله القشيري ولفظه . وقال يحيى بن معاذ : لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى تكون فيه ثلاث خصال فذكرها ، ولا يخفى أن المراد بحقيقته هي غلبة أحواله على القلب ، فلا يكون حدا جامعا للزهد ، ولذلك عبّر المصنّف عنها بالعلامة . ( وقال أيضا : الزاهد للّه ) لكون قلبه امتلأ بهوان الدنيا عند اللّه وكثرة آفاتها بحيث أنك تجد أكثر كلامه في بيان نقائصها كأنه ( يسعطك ) يا طالبها ( الخل والخردل ) من حيث أنه يؤلمك بكلامه وينكد عليك ما أنت فيه ويصغر قدرك ، ( والعارف ) باللّه لكون قلبه قد امتلأ بمعرفته وبجماله وبجلاله وتوالي إنعامه وإفضاله على خلقه بحيث أنك تجد أكثر كلامه في بيان ذلك كأنه ( يشمك المسك والعنبر ) من حيث أنه يرغبك في نيل المقامات ، ويشرح صدرك بذكر فضل اللّه ونعمه على خلقه ، فكل من الزاهد والعارف تكلم بما غلب عليه من أحواله وهذا القول نقله القشيري هكذا ، ولفظ القوت ينشر عليك المسك والعنبر ، ( وقال له ) أي ليحيى بن معاذ :