تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 737

مساهمون:

ص٧٣٧
وقال ابن خفيف : علامته وجود الراحة في الخروج من الملك . وقال أيضا : الزهد هو عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف . وقال أبو سليمان : الصوف علم من أعلام الزهد فلا ينبغي أن يلبس صوفا بثلاثة دراهم وفي قلبه رغبة خمسة دراهم . وقال أحمد بن حنبل وسفيان رحمهما اللّه : علامة الزهد قصر الأمل . وقال سري : لا يطيب عيش الزاهد إذا اشتغل عن نفسه ولا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه .
شرح
( وقال ) أبو عبيد اللّه محمد ( بن خفيف ) الشيرازي المعروف بالشيخ الكبير وهو رئيس الطريقة البكرية : ( علامة الزهد وجود الراحة في الخروج من الملك ) نقله القشيري ، ولعله بما يلحق القلب عند وجوده من التشويش في حفظه ومن خوفه على قلبه من تعلقه به وكيف يصرفه . ( وقال أيضا : الزهد هو عزوف النفس ) أي انصرافها ( عن الدنيا بلا تكلف ) فيه ، لأن قلبه امتلأ بصغر قدرها وما يترتب عليها من ضررها بخلاف المتزهد ، فإنه يتكلف للاعراض عنها فقوله : بلا تكلف إشارة إلى الفرق بين الزاهد والمتزهد ، ثم إن هذا القول الذي عزاه المصنف لابن خفيف قد عزاه القشيري لغيره وهذا لفظه بعد أن ذكر قوله الأوّل . وقال أيضا : الزهد سلو القلب عن الأسباب ونفض الأيدي من الأملاك ، وقيل : الزهد عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف ولعل في سياق المصنف سقطا فتأمل . ( وقال أبو سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى : ( الصوف ) أي لبسه ( علم من أعلام الزهد فلا ينبغي ) للزاهد ( أن يلبس صوفا بثلاثة دراهم وفي قلبه رغبة خمسة دراهم ) نقله القشيري . أي : رغبة لبس صوف بخمسة دراهم . أشار بذلك إلى أن الزهد في القلب ليس بلبس الغليظ ولا بأكل الخشن وإن كان ذلك علامة له ، لأن الزهد ضد الرغبة هو من أعمال القلوب . وفي القوت قال أحمد بن أبي الحواري : لبست عباءة فنظر إلي وقال : هذا يكون آخر الزهد جعلتموه أوله . أما يستحيي أحدهم يلبس عباءة بدرهمين وفي قلبه شهوة بخمسة دراهم وقال : لو ستر زهده بثوبين أبيضين كان أحب إليّ . ( وقال أحمد بن حنبل وسفيان ) الثوري وعيسى بن يونس وغيرهم : ( علامة الزهد إنما هو قصر الأمل ) قال القشيري : وهذا الذي قالوه يحمل على أنه من إشارات الزهد والأسباب الباعثة عليه والمعاني الموجبة له انتهى أي عرفا ، فإن العبد متى أقصر أمله واستشعر سرعة موته وفراقه للدنيا قلّت رغبته فيها وفترت همته عن تحصيلها ، وقد جاء في الخبر « كفى بذكر الموت مزهدا » وتقدم في أوّل الباب : إن هذا حدّ للزهد والصحيح أنه من العلامات . ( وقال السري ) السقطي رحمه اللّه تعالى : ( لا يطيب عيش الزاهد إذا اشتغل عن نفسه ) أي بغيرها من الشهوات لأن شغله بنفسه إنما هو باعراضها عن محبوباته الدنيوية ، فإذا عدل عنها
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 737 | مرتضى الزبيدي