عجائب نعم اللّه تعالى علينا علمنا أن اللّه تعالى لا يتعاظمه شيء فلا بعد في أن لعظم السؤال اعتمادا على الجود المجاوز لكل كمال .
فإذا علامة الزهد استواء الفقر والغنى ، والعز والذل ، والمدح والذم ، وذلك لغلبة الانس باللّه ويتفرع عن هذه العلامات علامات أخر لا محالة مثل : أن يترك الدنيا ولا يبالي من أخذها . وقيل : علامته أن يترك الدنيا كما هي فلا يقول : أبني رباطا أو أعمر مسجدا .
وقال يحيى بن معاذ : علامة الزهد السخاء بالموجود .
شرح
وباطنة ( علمنا أن اللّه تعالى لا يتعاظمه شيء فلا بعد في أن نعظم السؤال اعتمادا على الجود ) الإلهي ( المجاوز لكل كمال ) فما لا يدرك كله لا يترك كله ومن فاته من الكمال وبله لا يفوته ظله .
( فإذا علامة الزهد استواء الفقر والغنى ، والعز والذل ، والمدح والذم لغلبة الانس باللّه ) المتوحد بالافعال . وقال يحيى بن معاذ : لا يكمل للزاهد زهده إلا باستواء الحال في هذه الخصال : الموجود ، والمقصود ، والسفر والحضر ، والعز والذل ، والمدح والذم ، والغنى والفقر .
( وتتفرع عن هذه العلامات علامات أخر لا محالة مثل أن يترك الدنيا ولا يبالي من أخذها ) أي لا يكترث نقله القشيري عن أبي عثمان المغربي وجعله حدا للزهد وهو من علاماته .
( وقيل : علامته أن يترك الدنيا كما هي ) وليس من علاماته خلو اليد من المال ، لأنه قد يمسكه لغرض ديني ، وقيل : لا يستحب ذلك ( فلا يقول : أبني ) بها ( رباطا أو أعمر ) بها ( مسجدا ) أو نحوه مما ترتاح النفس إليه من حب الثناء عليها به نقله القشيري قال : سمعت أبا على الدقاق يقول ذلك ، وقد جعله حدا للزهد وهو من علاماته .
وبالجملة ؛ فشرط الزهد أن لا يكون بقلبه التفات للدنيا إذا اعرض عنها . وقال محمد بن إسحاق الصوفي . والصحيح عندي إذا وجد في نفسه هذه العلامات فليخرج الدنيا إلى الأحوج والأولى ، فإن لم يوجد ذلك وعلم وجود الأفضل والمحتاج في ثاني الحال فلا يضره ابقاء المال في يده حتى يجد موضعه ، وإياك أن تغتر بهذا قبل وجدان العلامات فيهلكك سم المال قبل أن تنتفع بدرياقه . نعم إلا أن يكون متبوعا يخاف من اقتداء الغير به فيتركها في الوقت تأسيا بالأنبياء عليهم السلام فافهم ذلك .
( وقال ) أبو زكريا ( يحي بن معاذ ) الرازي رحمه اللّه تعالى : ( علامة الزهد السخاء بالموجود ) وقال مرة الزهد يورث السخاء بالملك ، والحب يورث السخاء بالروح نقله القشيري .
فالزاهد لا كلفة عليه في بذل الموجود وإن جلّ ، والمحب يسهل عليه بذل روحه للّه وشتان بين المقامين .