قال ابن أبي الحواري : قلت لأبي سليمان : أكان داود الطائي زاهدا ؟ قال : نعم . قلت :
قد بلغني أنه ورث عن أبيه عشرين دينارا فأنفقها في عشرين سنة ، فكيف كان زاهدا وهو يمسك الدنانير ؟ فقال : أردت منه أن يبلغ حقيقة الزهد وأراد بالحقيقة الغاية فإن الزهد ليس له غاية لكثرة صفات النفس ، ولا يتم الزهد إلا بالزهد في جميعها ، فكل من ترك من الدنيا شيئا مع القدرة عليه خوفا على قلبه وعلى دينه فله مدخل في الزهد بقدر ما تركه ، وآخره أن يترك كل ما سوى اللّه حتى لا يتوسد حجرا كما فعله المسيح عليه السلام ، فنسأل اللّه تعالى أن يرزقنا من مبادئه نصيبا وإن قلّ ، فإن أمثالنا لا تستجرىء على الطمع في غاياته وإن كان قطع الرجاء عن فضل اللّه غير مأذون فيه . وإذا لاحظنا
شرح
كيف يكون زاهدا ؟ فضربني بيده وقال : اسكت من لم تمنعه النعماء من الشكر ولا البلوى من الصبر ، فذلك الزهد ، ووافقهما الزهري كذلك : وقد فصل أبو سليمان ذلك .
( قال ) أبو الحسن أحمد ( ابن أبي الحواري ) الدمشقي ، صحب أبا سليمان الداراني وغيره ، وكان يسميه الجنيد ريحانة الشام مات سنة 230 . ( قلت لأبي سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى :
( أكان داود ) بن نصير ( الطائي ) أبو سليمان ( زاهدا ؟ قال : نعم . قلت : قد بلغني أنه ورث عن أبيه عشرين دينارا فأنفقها في عشرين سنة ، فكيف كان زاهدا وهو يمسك الدنانير ) ؟ رواه كذلك عثمان بن زفر عن ابن عم لداود وقد تقدم . وروى أبو نعيم في الحلية ، عن أبي محمد بن حيان ، حدثنا إسحاق بن حسان ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال ، قال أبو سليمان الداراني : ورث داود الطائي من أبيه دنانير فكان ينفق منها حتى كفن بآخرها ( فقال : أردت منه أن يبلغ حقيقة الزهد وأراد بالحقيقة الغاية ، فإن الزهد ليس له غاية ) ينتهي السالك إليها ( لكثرة صفات النفس ، ولا يتم الزهد إلا بالزهد في جميعها ) والحب للجليل والانس باللطيف هما غاية الطالبين ، فمن لم يتحقق بالزهد لم يبلغ مقام الحب ولم يدرك حال الانس وسرائر الغيب الملكوتية في مقام الحب والخلة اليقينية ، وغيابات السر العزية الجبروتية في حال الانس ، ( فكل من ترك من الدنيا شيئا مع القدرة عليه خوفا على قلبه وعلى دينه فله مدخل في الزهد بقدر ما تركه ) وهذا أوّله وله درجات ، ( وآخره أن يترك كل ما سوى اللّه ) تعالى ( حتى لا يتوسد حجرا ) أي لا يضع رأسه على شيء مرتفع ولو حجرا ، فإنه من جملة نعيم الدنيا لحصول الراحة للنفس بسببه ، ( كما فعله المسيح ) عيسى ( عليه السلام ) وتقدم ذكره قريبا ، وبين هذين مقامات ولتلك المقامات درجات ، وقد عين بعضهم للزهد أربعة وعشرين مقاما ونوعه ، ومنهم من أوصل إلى ثلاثة وسبعين مقاما . ( فنسأل اللّه تعالى أن يرزقنا من مبادئه ) أي الزهد ( نصيبا وإن قلّ فإن أمثالنا لا يستجريء على الطمع في غاياته وإن كان قطع الرجاء عن فضل اللّه ) تعالى ( غير مأذون فيه ، وإذا لاحظنا عجائب نعم اللّه تعالى علينا ) ظاهرة