تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 734

مساهمون:

ص٧٣٤
وقد قال أهل المعرفة : إذا تعلق الإيمان بظاهر القلب أحب الدنيا والآخرة جميعا وعمل لهما ، وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا فلم ينظر إليها ولم يعمل لها ، ولهذا ورد في دعاء آدم عليه السلام : اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي . وقال أبو سليمان : من شغل بنفسه شغل عن الناس وهذا مقام العاملين ، ومن شغل بربه شغل عن نفسه وهذا مقام العارفين ، والزاهد لا بدّ وأن يكون في أحد هذين المقامين ، ومقامه الأوّل أن يشغل نفسه بنفسه ، وعند ذلك يستوي عنده المدح والذم والوجود والعدم ، ولا يستدل بإمساكه قليلا من المال على فقد زهده أصلا .
شرح
من وجد حلاوة الطاعة ولم يجد حلاوة المعرفة لم يدم عليها ، وكل من وجد حلاوة الزهد ولم يذق حلاوة اليقين لم يؤمن عليه دخول التفتين ورغب في الدنيا ولو بعد حين . ( وقد قال أهل المعرفة ) في تنويع الإيمان في القلب فجعلوه على مقامين ، وجعلوا لهما زهدين حيث قالوا : ( إذا تعلق الإيمان بظاهر القلب أحب الدنيا والآخرة جميعا وعمل لهما ) وكل منهما يتجاذبان ، ( وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب ) أي باطنه ( وباشره ) أحب الآخرة وحدها وعمل لها و ( أبغض الدنيا ، فلم ينظر إليها ولم يعمل لها ) نقله صاحب القوت ، ( ولهذا ورد في دعاء آدم عليه السلام : اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ) أي يخالطه . ( وقال أبو سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى : ( من شغل بنفسه شغل عن الناس وهذا مقام العاملين ، ومن شغل بربه شغل عن نفسه وهذا مقام العارفين ) . ولهذين المقامين دليل من السنة ، وهو ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم انه سئل أي الناس خير ؟ فقال : من يشنأ الدنيا ويحب الآخرة . قيل : فإن لم يكن ؟ قال : مؤمن في خلق حسن ، والشاهد الآخر من الخبر الثاني أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سأل أصحابه : أتدرون من خير الناس ؟ قالوا : مؤمن موسر من المال يعطي حق اللّه في نفسه وماله . فقال : نعم الرجل هذا وليس به خير الناس فقير يعطي جهده وقد تقدم هذا ، ( والزهد لا بدّ وأن يكون في أحد هذين المقامين ، ومقامه الأوّل أن يشغل نفسه بنفسه ، وعند ذلك يستوي عنده المدح والذم والوجود والعدم ) وهذا مقام المشاهدة للآخرة ، ويكون بعد الزهد الذي يكون عن حقيقة الإيمان ثم تستوي الأشياء عنده ويستوي عدمها ووجودها ، وعنده يكون استواء المدح والذم لاستواء قلبه في المشاهدة ، وقد روي من حديث الحسن أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لرجل : « هل استويت ؟ » قال : وكيف استوي ؟ قال « يستوي عندك المدح والذم » فهذا يكون لسقوط قدر النفس وذهاب رؤية الخلق فعندها بسقط الرياء والرغبة فيثبت الاخلاص والزهادة . ( ولا يستدل بامساكه قليلا من المال على فقد زهده أصلا ) . وقد روي عن السفيانيين أنهما سئلا : أيكون الرجل زاهدا وله مال ؟ قالا : نعم ، إذا كان ممن إذا ابتلي فصبر ، وإذا أنعم عليه شكر . قال ابن أبي الحواري : فقلت لابن عيينة : يا أبا محمد قد أنعم عليه فشكر وابتلي فصبر وحبس النعمة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 734 | مرتضى الزبيدي