العلامة الثانية : أن يستوي عنده ذامه ومادحه ، فالأوّل علامة الزهد في المال ، والثاني علامة الزهد في الجاه .
العلامة الثالثة : أن يكون أنسه باللّه تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة ، إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة إما محبة الدنيا وإما محبة اللّه وهما في القلب كالماء والهواء في القدح ، فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان . وكل من أنس باللّه اشتغل به ولم يشتغل بغيره ، ولذلك قيل لبعضهم : إلى ما ذا أفضى بهم الزهد ؟ فقال : إلى الانس باللّه . فأما الأنس بالدنيا وباللّه فلا يجتمعان .
شرح
( الثانية : أن يستوي عنده ذامّه ومادحه ) فلا يفرح إذا سمع بمدحه ولا يحزن إذا سمع بذمه ، وكان يونس بن ميسرة يذهب إلى هذا ويقول : ليس الزهادة في الدنيا تحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن أن يكون ذامك ومادحك سواء ( فالأولى علامة الزهد في المال ، والثانية علامة الزهد في الجاه ) لأن معنى الجاه ملك القلوب ، فإذا استوى عنده الذم والمدح لم يفتقر إلى ملك القلوب .
( الثالثة : أن يكون أنسه باللّه تعالى ) لا بشيء من الأشياء ، ( والغالب على قلبه حلاوة الطاعة ) فإن الأنس باللّه والدنيا لا يجتمعان ، ( إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة إما محبة الدنيا وإما محبة اللّه ، وهما في القلب كالماء والهواء في القدح ، فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان ) ، وقد كان عمر رضي اللّه عنه يقول : إذا ذكر الدنيا والآخرة إن هما إلا بمنزلة قد حين لك ملىء أحدهما فما هو إلا أن يفرغ أحدهما في الآخر . يعني أنك إذا امتلأت بالدنيا تفرغت من الآخرة ، وإن امتلأت بالآخرة تفرغت من الدنيا وإن كان لك ثلث قدح الآخرة أدركت ثلثي قدح الدنيا وإن كان لك ثلثا قدح الآخرة يكون لك ثلثه من الدنيا . قال صاحب القوت : وهذا تمثيل حسن وتعديل صحيح . ( وكل من أنس باللّه تعالى اشتغل به ولم يشتغل بغيره ، ولذلك قيل لبعضهم : إلى ما ذا أفضى بهم الزهد ؟ فقال : إلى الانس باللّه ) ، والمراد بالبعض أبو محمد سباع الموصلي ، ففي القوت قال مضر بن عيسى ، قلت لسباع الموصلي : يا أبا محمد إلى أي شيء أفضى بهم الزهد ؟ قال : إلى الانس باللّه . أي لزوال وحشة الدنيا وخروج ظلمة النفس بالهوى وقع الانس بالنور ولا يجد الانس بالحبيب والوجد بالقريب غير زاهد . ( فأما الانس باللّه وبالدنيا لا يجتمعان ) . وقال صاحب القوت : قوت الزهد الذي لا بدّ منه وبه تظهر صفة الزاهد ويفضل به على الراغب هو أن لا يفرح بعاجل موجود من حظ النفس ولا يحزن على مفقود من ذلك ، وأن يأخذ الحاجة من كل شيء ولا يتناول عند الحاجة إلا سدّ الفاقة ولا يطلب الشيء قبل الحاجة ، وأوّل الزهد دخول غم الآخرة في القلب ثم وجود حلاوة المعاملة للرب ، ولا يدخل غم الآخرة في قلبه حتى يخرج هم الدنيا ، ولا يدخل حلاوة المعاملة حتى يخرج حلاوة الهوى ، وكل من ترك المعصية لم يجد حلاوة الطاعة رجع إليها ، ومن ترك الدنيا ولم يجد حلاوة الزهد رجع فيها ، وكل