تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 732

مساهمون:

ص٧٣٢
أخلاق نفوسهم ، فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادعوها حالا لهم فهم مائلون إلى الدنيا متبعون للهوى ، فهذا كله كلام الخوّاص رحمه اللّه . فإذا معرفة الزهد أمر مشكل ، بل حال الزهد على الزاهد مشكل ، وينبغي أن يعول في باطنه على ثلاث علامات . العلامة الأولى : أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود كما قال تعالى :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
[ الحديد : 23 ] بل ينبغي أن يكون بالضد من ذلك : وهو أن يحزن بوجود المال ويفرح بفقده .
شرح
أسرارهم ولا بتهذيب أخلاق نفوسهم ، فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادعوها حالا لهم مائلون إلى الدنيا متبعون للهوى ، فهذا كله كلام الخوّاص ) أورده في كتاب شرف الفقراء . ونقله صاحب القوت ، وتقدم أن الخواص كان لا يلبس أكثر من قطعتين مئزرين أو قميص ومئزر تحته ، وربما يعطف ذيل قميصه على رأسه أو يحله من وسطه فيغطي به رأسه ، وقد كان يحيى بن معاذ الرازي يصف الزاهدين من العارفين والمتحققين بالحال المستحقين لاسم الزهد ، ومعناه في نتف من كلامه هي من أحوال أهل المعرفة زادوا بها على مقام الزاهدين من المؤمنين ، وكان يقول في وصفهم : الزهد مع الغنى أفضل من الزهد مع الفقر ، يزهد الرجل ، وفي قصره أمثال التصاوير من النساء ، لو نظر الزاهد الفقير إلى وصيفة منهن غشي عليه وقال : إذا زهد في الدنيا حجبه عن العامة ، وإذا عرف حجب عن الزهاد وقال : إذا حجب العارف لعزته اصطيد بالطعمة ، يدعى إلى طعام فيجيب فيظفرون به بذلك ، وكذلك اصطيد أبوه آدم بالطعمة من الشجرة وكان يقول : لا يمكن العابد والزاهد أن يستتر عن الخلق والعارف مستور كأنه رجل من الناس وهو أفضل ما تحمله الأرض لا يعرفه إلا مثله ولا يصبر على معاشرته إلا شكله . هذا كله كلام يحيى بن معاذ وسيأتي باقي كلامه بعد . ( فإذا معرفة الزهد مشكل ، بل حال الزهد على الزاهد مشكل ، وينبغي أن يعوّل في باطنه على ثلاث علامات ) : ( الأولى : أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود كما قال تعالى :لِكَيْلا تَأْسَوْا )أي تحزنوا( عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا )على النعمة( بِما آتاكُمْ )فرح بطر ، ( بل ينبغي أن يكون ) الزاهد بإعراضه عن الدنيا وقلة رغبته فيها ( بالضد من ذلك وهو أن يحزن بوجود المال ويفرح بفقده ) لاكتفائه بما ينفعه ، وقد جعل بعضهم هذا المعنى حدا للزهد كما تقدم في أوّل السياق وهو في الحقيقة من ثمراته أو من علاماته .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 732 | مرتضى الزبيدي