إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 731
بيان علامات الزهد : اعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد وليس كذلك ، فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد ، فكم من الرهابين من ردوا أنفسهم كل يوم إلى قدر يسير من الطعام ولازموا ديرا لا باب له ، وإنما مسرة أحدهم معرفة الناس حاله ونظرهم إليه ومدحهم له ، فذلك لا يدل على الزهد دلالة قاطعة ، بل لا بدّ من الزهد في المال والجاه جميعا حتى يكمل الزهد في جميع حظوظ النفس من الدنيا ، بل قد يدعي جماعة الزهد مع لبس الأصواف الفاخرة والثياب الرفيعة ، كما قال الخوّاص في وصف المدعين إذ قال : وقوم ادعوا الزهد ولبسوا الفاخر من اللباس يموّهون بذلك على الناس ليهدي إليهم مثل لباسهم لئلا ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحتقروا فيعطوا كما تعطى المساكين ، ويحتجون لنفوسهم باتباع العلم وأنهم على السنّة ، وأن الأشياء داخلة إليهم وهم خارجون منها ، وإنما يأخذون بعلة غيرهم . هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضايق ، وكل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب بيان علامات الزهد : ( اعلم ) وفقك اللّه تعالى لولا الامتحان لكثر الصادقون ، ولا بد لكل مؤثر من أثر يدل عليه ، فكذلك لا بدّ لكل مقام من علامة تدل على صحته ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( إنه قد يظن أن تارك المال زاهد وليس كذلك ، فإن ترك المال وإظهار الخشونة ) في العيش ( سهل على من أحب المدح بالزهد ، فكم في الرهابين ) جمع رهبان جمع راهب ( من ردوا أنفسهم كل يوم إلى قدر يسير من الطعام ولازموا ديرا لا باب له ) ولا منفذ للهواء فيه ، ( وإنما مسرة أحدهم ) وفي نسخة مشرب أحدهم ( معرفة الناس حاله ونظرهم إليه ومدحهم له ) بترك الدنيا والزهد فيها ، ( فذلك لا يدل على الزهد دلالة قاطعة ، بل لا بدّ من الزهد في المال والجاه جميعا حتى يكمل الزهد في جميع حظوظ النفس من الدنيا ، بل قد يدعي جماعة الزهد مع لبس الأصواف الفاخرة والثياب الرفيعة ، كما قال ) أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد ( الخوّاص ) رحمه اللّه تعالى هو من أقران الجنيد والنوري مات بالري سنة 291 ( في وصف المدعين ) في الزهد ( إذ قال : وقوم ادعوا الزهد ولبسوا الفاخر من اللباس يموّهون بذلك على الناس ليهدي إليهم مثل لباسهم لئلا ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحتقروا فيعطوا كما يعطى المساكين ، ويحتجون لنفوسهم باتباع العلم ، وأنهم على السنّة ، وأن الأشياء داخلة عليهم وهم خارجون منها ، وإنما يأخذون بعلة غيرهم هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضايق ) قال : ( وكل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية