وفي الأثر إن ثواب الصبر على المصيبة أكثر مما فات وإنه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة ، إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر .
ومن أسلم خسيسا في نفيس فلا ينبغي أن يحزن لفوات الخسيس في الحال . وهذا من باب المعارف وهو من الإيمان فتارة يضعف وتارة يقوى ، فإن قوي قوّى باعث الدين وهيجه تهييجا شديدا وإن ضعف ضعفه . وإنما قوّة الإيمان يعبر عنها باليقين وهو المحرك لعزيمة الصبر وأقل ما أوتي الناس الصبر وعزيمة اليقين .
والثاني : أن يعوّد هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا قليلا قليلا حتى يدرك لذة الظفر بها فيستجرىء عليها وتقوى منته في مصارعتها ، فإن الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقة تؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال ، ولذلك تزيد قوّة الحالين والفلاحين والمقاتلين . وبالجملة فقوّة الممارسين للأعمال الشاقة تزيد على قوّة الخياطين
شرح
( وفي الأثر : إن ثواب الصبر على المصيبة أكثر مما فات وأنه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر ) كأنه يشير إلى أثر ابن عباس المتقدم : إن من صبر على المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة تبعا لصاحب القوت ، وقد تقدم الكلام عليه ، وان المروي من حديثه على خلاف ذلك . ( ومن أسلم خسيسا في نفيس فلا ينبغي أن يحزن بفوات الخسيس في الحال . وهذا من باب المعارف وهو من الإيمان ) بالترغيب والترهيب ، وبالقضاء والقدر خيره وشره وحلوه ومره من اللّه تعالى ، والإيمان بهذا واجب والشريعة طافحة بهذا ، والقرآن من فاتحته إلى خاتمته ترغيب وترهيب وتذكير يتذكر به اللبيب ، فإذا قرأ العبد القرآن بالتدبر والإصغاء أحضر قلبه وتفكر فيما رتب اللّه تعالى على الطاعات من الجزاء والكرامات وعلى المخالفات قوى إيمانه ويقينه ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( فتارة يضعف وتارة يقوى ، فإن قوي قوى باعث الدين وهيجه تهييجا شديدا وإن ضعف ضعفه وإنما قوّة الإيمان يعبر عنها باليقين وهو المحرك لعزيمة الصبر ، وأقل ما أوتي الناس الصبر وعزيمة اليقين ) كما روي ذلك من حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة رفعه ، وقد تقدم ذكره ، وإذا قوي يقينه انهزم كيد الشيطان وحزبه ، وإذا قوي يقينه بالقضاء والقدر صبر على ما ابتلاه اللّه ، وان اتسعت معرفته حتى يرى المصيبة نعمة حصل منه الشكر عوضا عن الصبر وارتفع بذلك درجته عند اللّه تعالى .
( والثاني : أن يعوّد هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا قليلا حتى يدرك لذة الظفر بها فيستجريء عليها وتقوى منته ) أي قوّته ( في مصارعتها ، فإن الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقة يؤكد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال ، ولذلك تزيد قوّة الحمالين ) للأحمال الثقيلة ، ( والفلاحين ) لمعاناة أعمال الاعراض ، ( والمقاتلين ) في الحروب . ( وبالجملة