شراك نعله قد أخلق فأبدل بسير جديد فصلى فيه ، فلما سلم قال : « أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فإني نظرت إليه في الصلاة » ولبس خاتما من ذهب ونظر إليه على المنبر نظرة فرمى به فقال : « شغلني هذا عنكم ، نظرة إليه ونظرة إليكم » . وكان صلّى اللّه عليه وسلم قد احتذى مرة نعلين جديدين ؛ فأعجبه حسنهما ، فخرّ ساجدا وقال : « أعجبني حسنهما فتواضعت لربي خشية أن يمقتني » ثم خرج بهما فدفعهما إلى أوّل مسكين رآه .
شرح
بن بكار من وجه آخر مرسل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أتي بخميصتين سوداوين فلبس إحداهما وبعث الأخرى إلى أبي جهم فصلى في تلك الخميصة وبعث إليه التي لبسها هو ولبس هو التي كانت عند أبي جهم بعد أن لبسها أبو جهم لبسات ، ( فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم ) كذا في القوت قال :
وفي هذا حجة على من كان إذا أعجبه الشيء واستحسنه كسره وأحرقه ، وفيه شاهد ومحجة لمن أخرج عن يده ما يستحسنه ويخاف فتنته لحصول الزهد بالإخراج ولانتفاع الغير به وفيه حجة على من ادعى الزهد بلبس الناعم ، وأن ذلك لا يضر الزاهد ولا يخرجه عن حقيقة الزهد فيه إبطال لمن ادعى أن النظر إلى الزينة لا يشغله ، وأن الرونق والفتنة لا تدخل عليه إذ لا يقدر أن يقول : إنه غير مقام الرسول فاعتبروا يا ذوي البصائر والعقول تمويه الراغبين بالزهد مع استعمال الفضول .
( وكان شراك نعله ) صلّى اللّه عليه وسلم ( قد خلق فأبدل بسير جديد فصلى فيه فلما سلم ) من الصلاة ( قال « أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الشراك الجديد فإني نظرت إليه في الصلاة » ) تقدم في كتاب الصلاة . ( ولبس ) صلّى اللّه عليه وسلم مرة ( خاتما ونظر إليه ) وهو ( على المنبر نظرة فرمى به وقال : « شغلني هذا عنكم نظرة إليه ونظرة إليكم » ) قال : فلا يدري من أخذه . رواه الشيخان وقد تقدم . قال صاحب القوت : وقد يحتج بهذا لما كرهناه من إتلاف المال المنظور إليه وليس فيه حجة له لأنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يتلفه إذ لم يرم به في بر ولا بحر ولا مضيعة ولا أفسده ، وإنما نزعه ورمى به بين المسلمين ووهبه لمن أخذه فجاز ذلك عن وجد الوقت وحده .
( وكان صلّى اللّه عليه وسلم قد احتذى مرة نعلين جديدتين فأعجبه حسنهما فخبرّ ساجدا وقال « أعجبني حسنهما فتواضعت لربي خشية أن يمقتني » ثم خرج بهما فدفعهما إلى أول مسكين رآه ) ، وأمر عليا فاحتذى له نعلين سبتيتين قال : فرأيته وقد لبسهما يعني جرداوين . وقد تقدم في كتاب الصلاة .
قال صاحب القوت : وهذا مثل الحديث الآخر في إخراج الخميصة زهدا فيها وإخراج النعل ولم يقطعها فيكون فسادا ، إذ هو صلّى اللّه عليه وسلم ينهى عن إضاعة المال إلا أن فيه شاهدا لمن إذا استحسن شيئا خاف المقت عليه إلا أنه لا يبلغ فيه إتلافه فيكون إفسادا ، وفيه دليل على دخول التغيير والرد إلى الصفة بالمناظرة الحسنة خلاف من ادعى البراءة من ذلك ، وفيه شاهد آخر لمن تطرق بالحسن من الأشياء إلى اللّه تعالى ، وشهد الحسن الأعلى بها وكان المحاسن طريقا له إلى الحسن الجميل ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلم لما قال « أعجبني حسنهما » خرّ ساجدا فكان ذلك اقترابا له من القريب وتقريبا منه وتطرقا إلى الحبيب ، وقد قال تعالىوَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ[ العلق : 19 ] .