تعجبا ، وكان قد أهداه إليه المقوقس ملك الإسكندرية ، فأراد أن يكرمه بلبسه ، ثم نزعه وأرسل به إلى رجل من المشركين وصله به ، ثم حرم لبس الحرير والديباج . وكأنه إنما لبسه أولا تأكيدا للتحريم ، كما لبس خاتما من ذهب يوما ثم نزعه ، فحرم لبسه على الرجال ، وكما قال لعائشة في شأن بريرة : « اشترطي لأهلها الولاء » ، فلما اشترطته صعد عليه السلام المنبر فحرّمه ، وكما أباح المتعة ثلاثا ثم حرمها لتأكيد أمر النكاح ، وقد صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في خميصة لها علم ، فلما سلم قال : « شغلني النظر إلى هذه ، اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بانبجانيته » . يعني كساء ، فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم ، وكان
شرح
ميناء ( ملك الإسكندرية ، فأراد أن يكرمه بلبسه ) ويرى رسله قبول هديته ( ثم نزعه ) وقد لبس نحوه من قميص معمد بحرير أهداه إليه النجاشي ملك الحبشة ، فخطب فيه مرة ثم نزعه حين نزل من المنبر ، ( وأرسل به إلى رجل من المشركين وصله به ثم حرم لباس الحرير والديباج ) بعد ذلك ، ( وكان إنما لبسه أولا ) ولفظ القوت فقد يكون لبسه إياه ( تأكيدا للتحريم ، كما لبس خاتما من ذهب يوما ) واحدا ( ثم نزعه ) ورمى به كما في الصحيحين وتقدم ، ( فحرم لبسه على الرجال ) ولفظ القوت وحرم لبس الحرير والذهب على الذكور ، ( وكما قال لعائشة ) رضي اللّه عنها ( في شأن بريدة ) مولاة لقوم من الأنصار وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها ( « اشترطي لأهلها الولاء » ) وذلك حين أرادت أن تشتريها منهم ، وطلبوا منها أن يكون الولاء لهم فأقرها صلّى اللّه عليه وسلم على هذا الشرط أولا ، ( فلما اشترطته ) بعد أن اشترتها وأعتقتها ( صعد صلّى اللّه عليه وسلم المنبر فحرمه ) وقال « إنما الولاء لمن أعتق » لينوه بذلك . فهذه حكمة من الحكيم وتعليم من العليم .
وقصة بريرة في الصحيحين ، وقد جمع العز بن جماعة فوائد هذا الحديث في رسالة فزادت على ثلاثمائة ولخصها الحافظ في فتح الباري ، ( وكما أباح المتعة ) أي متعة النساء ( ثلاثا ) وذلك في غزوة أوطاس ، ( ثم حرمها لتأكيد أمر النكاح ) وحديث إباحة المتعة رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع ، قال صاحب القوت : وقد يحتج بمثل هذا علماء الدنيا ويطرقوا به لأنفسهم ويدعون الناس منه إليهم سرا ويظهرون الدعوة إلى اللّه علانية تأولا بمتشابه الحديث ، كما تأول أهل الزيغ متشابه القرآن على أهوائهم ابتغاء الفتنة وطلبا للدنيا ، لأن حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على معني كلام اللّه تعالى منه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخاص وعام ، فعدل علماء الدنيا وأهل الأهواء عن المحكم السائر من فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقوله إلى ما ذكرناه ونبذوا المحكم وراءهم ظهريا . ( وقد صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في خميصة ) وهي كساء أسود مربع ( لها علم ، فلما سلم قال « شغلني النظر إلى هذه إذهبوا بها إلى أبي جهم ) بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي رضي اللّه عنه من مسلة الفتح وكان معمري قرشي ومن مشيختهم ( وائتوني بانبجانيته » يعني كساءه ) هو في الصحيحين من طريق عروة عن عائشة قالت صلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في خميصة لها أعلام « إذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بانبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي » . وقد تقدم في كتاب الصلاة . وذكر الزبير