مقصور على دفع المهلكات عنها حتى تسير بك إلى مقصدك ، فكذلك ينبغي أن تكون في صيانة بدنك عن الجوع والعطش المهلك بالأكل والشرب ، وعن الحر والبرد المهلك باللباس والمسكن ، فتقتصر على قدر الضرورة ولا تقصد التلذذ بل التقوّي على طاعة اللّه تعالى ، فذلك لا يناقض الزهد ، بل هو شرط الزهد ، وإن قلت : فلا بدّ وأن أتلذذ بالأكل عند الجوع ؛ فاعلم أن ذلك لا يضرك إذا لم يكن قصدك التلذذ ، فإن شارب الماء البارد قد يستلذ الشرب ويرجع حاصله إلى زوال ألم العطش ، ومن يقضي حاجته قد يستريح بذلك ولكن لا يكون ذلك مقصودا عنده ومطلوبا بالقصد ، فلا يكون القلب منصرفا إليه ، فالإنسان قد يستريح في قيام الليل بتنسم الأسحار وصوت الأطيار ، ولكن إذا لم يقصد طلب موضع لهذه الاستراحة فما يصيبه من ذلك بغير قصد لا يضره ، ولقد كان في الخائفين من طلب موضعا لا يصيبه فيه نسيم الأسحار خيفة من الاستراحة به وأنس القلب معه ، فيكون فيه أنس بالدنيا ونقصان في الإنس باللّه بقدر وقوع الإنس بغير اللّه ، ولذلك كان داود الطائي له حب مكشوف فيه ماؤه فكان لا
شرح
باللذات بل غرضك مقصور على دفع المهلكات عنها حتى ) تحملك و ( تسير بك إلى مقصدك ، فكذلك ينبغي أن تكون في صيانة بدنك عن الجوع والعطش المهلك بالأكل والشرب ، وعن الحر والبرد المهلك باللباس والمسكن ، فتقتصر على قدر الضرورة ولا تقصد التلذذ ) والتنعم ، ( بل التقوى على طاعة اللّه تعالى فذلك لا يناقض الزهد بل هو شرط الزهد ) لأنه به حصوله ( وإن قلت : فلا بدّ وأن أتلذذ بأكل ذلك عند الجوع ! فاعلم أن ذلك لا يضرك إذا لم يكن قصدك التلذذ ، فإن شارب الماء البارد قد يتلذذ بالشرب ويرجع حاصله إلى زوال ألم العطش ، ومن يقضي حاجته يستريح بذلك ولكن لا يكون ذلك مقصودا عنده ومطلوبا بالقصد فلا يكون القلب منصرفا إليه ، فالإنسان قد يستريح في قيام الليل بتنسم الأسحار وصوت الطيور ) الناغية ، ( ولكن إذا لم يقصد طلب موضع لهذه الاستراحة فما يصيبه من ذلك بغير قصده لا يضره ولقد كان في الخائفين ) من الزاهدين ( من طلب ) لنفسه ( موضعا لا يصيبه فيه نسيم الأسحار خيفة من الاستراحة به وأنس القلب معه فيكون فيه أنس إلى الدنيا ونقصان ) في الأنس باللّه ( بقدر وقوع الأنس بغير اللّه ) ويروى أن اللّه أوحى إلى موسى عليه السلام أن برخ يعني الأسود الذي كان موسى استسقى لبني إسرائيل نعم العبد هو إلا أن فيه عيبا قال : وما هو ؟ قال : يعجبه نسيم السحر فيسكن إليه ومن أحبني لم يعجبه شيء أو لم يسكن إلى الشيء ، فعابه باستراحة النفس إلى روح الفضاء ونقصه عن التمام بسكون قلبه إلى نسيم السحر .
( ولذلك كان ) أبو سليمان ( داود ) بن نصير ( الطائي ) رحمه اللّه تعالى ( له حب مكسور )