تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 682

مساهمون:

ص٦٨٢
مع ما تركته لك . وروي عن يحيى بن زكريا عليهما السلام أنه لبس المسوح حتى ثقب جلده تركا للتنعم بلين اللباس واستراحة حس اللمس ، فسألته أمه أن يلبس مكان المسح جبة من صوف ففعل ، فأوحى اللّه تعالى إليه : يا يحيى ، آثرت علي الدنيا ، فبكى ونزع الصوف وعاد إلى ما كان عليه . وقال أحمد رحمه اللّه تعالى : الزهد زهد أويس ، بلغ من العرى أن جلس في قوصرة . وجلس عيسى عليه السلام في ظل حائط إنسان فأقامه صاحب الحائط ، فقال : ما أقمتني أنت إنما أقامني الذي لم يرض لي أن أتنعم بظل الحائط . فإذا درجات الزهد ظاهرا وباطنا لا حصر لها ، وأقل درجاته : الزهد في كل شبهة ومحظور ، وقال قوم : الزهد هو الزهد في الحلال لا في الشبهة والمحظور ، فليس
شرح
قلت أخرجه ابن عساكر عن الحسن البصري قال : إن عيسى عليه السلام مر به إبليس يوما وهو متوسد حجرا وقد وجد لذة النوم فقال له : يا عيسى تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا فهذا الحجر من عرض الدنيا . فقام عيسى عليه السلام فأخذ الحجر فرمى به وقال : هذا لك مع الدنيا . ( و ) مثله ( روي عن يحيى بن زكريا عليهما السلام أنه لبس المسوح حتى نقب جلده ) أي أثر فيه لخشونته ، وكان عليه السلام قد طلب من أمه ذلك حين مرّ ببيت المقدس ورأى الرهبان لابسين كذلك ( تركا للتنعم بلين اللباس واستراحة حس اللمس ، فسألته أمه أن يلبس مكان المسح جبة من صوف ) لأنه ألين من الشعر ( ففعل ) طاعة لأمة لأنه كان بارا بها ، ( فأوحى اللّه تعالى إليه : يا يحيى آثرت عليّ الدنيا فبكى ونزع الصوف وعاد إلى ما كان عليه ) ولبس مدرعته من الشعر نقله صاحب القوت . ( وقال أحمد ) بن حنبل رحمه اللّه تعالى : ( الزهد زهد أويس ) القرني رحمه اللّه تعالى ( بلغ من العري إلى أن جلس في قوصرة ) نقله صاحب القوت ، والقوصرة بالتخفيف والتثقيل وعاء التمر يتخذ من قصب . ( وجلس عيسى عليه السلام في ظل حائط إنسان فأقامه صاحب الحائط فقال : ما أقمتني أنت إنما أقامني الذي لم يرض لي أن أتنعم بظل الحائط ) رواه ابن عساكر عن أبي سليمان الداراني قال : بينما عيسى عليه السلام يمشي في يوم صائف وقد مسه الحر والشمس والعطش ، فجلس في ظل خيمة فخرج إليه صاحب الخيمة فقال : يا عبد اللّه قم من ظلنا فقام عيسى وجلس في الشمس وقال : ليس أنت الذي أقمتني إنما أقامني الذي لم يرد أن أصيب من الدنيا شيئا ( فإذا درجات الزهد ظاهرا وباطنا لا حصر لها ) إذ لا نهاية لمعارف الزاهدين بدقائق أبواب الدنيا وخفايا لوائح الهوى ( وأقل درجاته : الزهد في كل شبهة ومحظور ) وهو زهد الورعين به يكمل إيمانهم كما سبق قريبا . ( وقال قوم : « الزهد هو الزهد في الحلال لا في الشبهة والمحظور ، فليس ذلك من درجاته