تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 685

مساهمون:

ص٦٨٥
يرفعه من الشمس ، ويشرب الماء الحار ويقول : من وجد لذة الماء البارد شق عليه مفارقة الدنيا ، فهذه مخاوف المحتاطين والحزم في جميع ذلك الاحتياط ، فإنه وإن كان شاقا فمدّته قريبة والاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التأييد ، لا يثقل على أهل المعرفة القاهرين لأنفسهم بسياسة الشرع المعتصمين بعروة اليقين في معرفة المضادة التي بين الدنيا والدين ، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين .
شرح
وهو بضم الحاء المهملة الخابية للماء جمعه حباب بالكسر وحببة مثل عنبة ( فيه ماؤه فكان لا يرفعه من الشمس ، ويشرب الماء الحار ويقول : من وجد لذة الماء البارد شق عليه مفارقة الدنيا ) . قال أبو نعيم في الحلية : حدثنا إسحاق بن أحمد ، حدثنا إبراهيم بن يوسف ، حدثنا أحمد بن أبو الحواري قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : كان داود الطائي له دنان : دن للماء ودن للخبز ، فأما دن الماء فكان قد جعله في الأرض لئلا يصيبه الروح فيبرد . وروي من طريق حفص بن عمر الجعفي قال : دخل رجل على داود الطائي فقال : يا أبا سليمان أنا عطشان . قال : اخرج واشرب فجعل يدور في الدار لا يجد ماء فرجع إليه ، فقال : يا أبا سليمان ليس في الدار حب ولا جرة . فقال : اللهم غفرا بل هناك ماء . قال : فخرج يلتمس فإذا دن من هذا الأصيص الذي يفعل فيه الطين وقطعة خزفة أسفل كوز فأخذ تلك الخزفة يغرف بها فإذا ماء حار كأنه يغلي لم يقدر أن يسيغه فرجع إليه ، فقال : يا أبا سليمان مثل هذا الحر الناس يكادون ينسلخون ودنّ مدفون في الأرض وكوز مكسور فلو كانت جريرة وقلة . فقال داود : حب حيري وجرة ملارية وقلال منقشة وجارية حسناء وأثاث وناض وفضول لو أردت هذا الذي يشغل القلب لم أسجن نفسي ههنا إنما أطلقت نفسي عن هذه الشهوات وسجنت نفسي حتى يخرجني مولاي من سجن الدنيا إلى روح الآخرة . روي من طريق سهل بن سليمان النيلي ، حدثنا عبد اللّه الأعرج أو غير قال : أتيت داود فصليت مع المغرب ثم تبعته إلى داره فذكر الحديث وفيه : ثم قام داود إلى شن في الدار في يوم صائف فأخذ يشرب منه فقلت : يا أبا سليمان لو أمرت أن يبرد لك هذا الماء . فقال : أما علمت أن الذي يبرد له الماء في الصيف ويسخن له في الشتاء لا يحب لقاء اللّه . ( فهذه مخاوف المحتاطين ) لدينهم ( والحزم في جميع ذلك الاحتياط فإنه وإن كان شاقا فمدته قريبة والاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التأييد لا يثقل على أهل المعرفة القاهرين أنفسهم بسياسة الشرع المعتصمين بعروة اليقين في معرفة المضادة التي بين الدنيا والدين ) واللّه الموفق .