تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 683

مساهمون:

ص٦٨٣
ذلك من درجاته في شيء ، ثم رأوا أنه لم يبق حلال في أموال الدنيا فلا يتصوّر الزهد الآن . فإن قلت : مهما كان الصحيح هو أن الزهد ترك ما سوى اللّه فكيف يتصوّر ذلك مع الأكل والشرب واللبس ومخالطة الناس ومكالمتهم وكل ذلك اشتغال بما سوى اللّه تعالى ؟ فاعلم أن معنى الانصراف عن الدنيا إلى اللّه تعالى هو الإقبال بكل القلب عليه ذكرا وفكرا ، ولا يتصور ذلك إلا مع البقاء ، ولا بقاء إلا بضروريات النفس ؛ فمهما اقتصرت من الدنيا على دفع المهلكات عن البدن وكان غرضك الاستعانة بالبدن على العبادة لم تكن مشتغلا بغير اللّه ؛ فإن ما لا يتوصل إلى الشيء إلا به فهو منه ؛ فالمشتغل بعلف الناقة وبسقيها في طريق الحج ليس معرضا عن الحج ، ولكن ينبغي أن يكون بدنك في طريق اللّه مثل ناقتك في طريق الحج ، ولا غرض لك في تنعم ناقتك باللذات ، بل غرضك
شرح
في شيء ، ثم رأوا أنه لم يبق حلال في أموال الدنيا فلا يتصور الزهد الآن ) روي ذلك عن جماعة ، منهم : يوسف بن إسباط . قال صاحب الحلية : حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ، حدثنا المسيب بن واضح سألت يوسف بن إسباط عن الزهد ما هو ؟ قال : أن تزهد فيما أحل اللّه فأما ما حرم اللّه فإن ارتكبته عذبك اللّه . وحدثنا أبو محمد بن حيان ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا الحسين بن منصور ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا سهل أبو الحسن ، سمعت يوسف بن إسباط يقول : لو أن رجلا في ترك الدنيا مثل أبي ذر وسلمان وأبي الدرداء ما قلنا له زاهد ، لأن الزهد لا يكون إلا في الحلال المحض والحلال المحض لا يعرف اليوم . ( فإن قلت : مهما كان الصحيح هو أن الزهد هو ترك ما سوى اللّه ، فكيف يتصور ذلك مع الأكل والشرب واللبس ومخالطة الناس ومكالمتهم وكل ذلك اشتغال بما سوى اللّه تعالى ؟ فاعلم أن معنى ) العزوف و ( الانصراف من الدنيا إلى اللّه تعالى هو الإقبال بكل القلب عليه ذكرا وفكرا ) والتوجه بكنه الهمة إليه ، ( ولا يتصور ذلك إلا مع البقاء ولا بقاء إلا بضروريات النفس ) مما تحتاج إليه اضطرارا ، ( فمهما اقتصرت من الدنيا على دفع المهلكات عن البدن وكان ) قصدك و ( غرضك الاستعانة بالبدن على العبادة لم تكن مشتغلا بغير اللّه ، فإن ما لا يتوصل إلى الشيء إلا به فهو منه ، فالمشتغل بعلف الناقة وبسقيها ) ورعايتها في خدمتها ( في طريق الحج ليس معرضا عن الحج ، ولكن ينبغي أن يكون بدنك في طريق اللّه مثل ناقتك في طريق الحج ، ولا غرض لك في تنعم ناقتك