تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 676

مساهمون:

ص٦٧٦
الاشتغال بواحد منها ، فشرط الزاهد أن يكون الفضول أوّل مرغوب عنه عنده ، وقال الحسن : الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال : هذا أفضل مني ، فذهب إلى أن الزهد هو التواضع ، وهذا إشارة إلى نفي الجاه والعجب وهو بعض أقسام الزهد ، وقال بعضهم : الزهد هو طلب الحلال ، وأين هذا ممن يقول : الزهد هو ترك الطلب كما قال أويس ، ولا شك في أنه أراد به ترك طلب الحلال ، وقد كان يوسف بن أسباط يقول : من صبر على الأذى وترك الشهوات وأكل الخبز من الحلال فقد أخذ بأصل الزهد . وفي الزهد أقاويل وراء ما نقلناه فلم نر في نقلها فائدة ، فإن من طلب كشف حقائق
شرح
الفضول أول مرغوب عنه عنده ) وإلا لم يخلص له الزهد . وقال صاحب القوت : ومن الزهد عند الزاهدين ترك فضول العلوم التي معلوماتها تؤل إلى الدنيا وتدعو إلى الجاه والمنزلة عند أبنائها وفيما لا نفع فيه في الآخرة ولا قربة به عند اللّه ، وقد يشغل عن عبادة اللّه تعالى ويفرق الهم عند اجتماعه بين يدي اللّه تعالى ويقسي القلب ويحجب عن التفكر في آلائه وعظمته ، وقد أحدثت علوم كثيرة لم تكن تعرف فيما سلف اتخذها الغافلون علما وجعلها البطالون شغلا انقطعوا بها عن اللّه وحجبوا بها عن مشاهدة علم الحقيقة لا يستطيع ذكره لكثرة أهلها إلا أن يسأل عن شيء أعلم هو أم كلام أو حق أو تشبيه أو صدق وحكمة أو زخرف وغرور ؟ أسنة هو أم بدعة ؟ أعتيق أم محدث وتشديق فحينئذ يخبر بصواب ذلك . ( وقال الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى : ( الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال هذا أفضل مني ) قال صاحب القوت : ( فذهب إلى أن الزهد هو التواضع ) ، وقد قال يوسف بن أسباط : غاية التواضع أن تخرج من بيتك فلا ترى أحدا إلا رأيت أنه خير منك رواه أبو نعيم في الحلية ( وهذا إشارة إلى نفي الجاه والعجب وهو بعض أقسام الزهد وقال بعضهم الزهد ) إنما هو ( طلب الحلال ) وأنه واجب مفترض في مثل زماننا هذا لاختلاط الأشياء وغلبة الشهوات وهو قول عاد في أهل الشام وطريقة عبادهم مثل : إبراهيم بن أدهم ، وسليمان ، والخواص ، ويوسف بن إسباط وحذيفة المرعشي ، وأبي إسحاق الفزاري ، وشعيب بن حرب ، والداراني ، ووهيب بن الورد ، وفضيل بن عياض ، وهم عشرة معروفون بأكل الحلال قالوا فقد تعين فرض الزهد ووجب تفقد المطاعم والسؤال عنها لقلة المتقين وفقد الورعين . ( وأين هذا ممن يقول : الزهد هو ترك الطلب كما قول أويس ) رحمه اللّه تعالى وذكر قريبا ، ( ولا شك في أنه ) أي أويسا ( أراد به ) ترك ( طلب الحلال ) ولكل من القولين وجه ، ( وقد كان يوسف بن إسباط ) الشيباني رحمه اللّه تعالى ( يقول : من صبر على الأذى وترك الشهوات وأكل الخبز من الحلال فقد أخذ بأصل الزهد ) نقله صاحب القوت . ( وفي الزهد أقاويل ) كثيرة ( وراء ما نقلناه فلم نر في نقلها فائدة ) مع أن بعضها عند التأمل يرجع إلى بعض ما ذكر ، فمن ذلك قول بعضهم : الزهد أن لا تفرح بموجود من الدنيا ولا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 676 | مرتضى الزبيدي