تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 675

مساهمون:

ص٦٧٥
ذهب الزهد عنه ، وما قصد بهذا حدّ الزهد ولكن جعل التوكل شرطا في الزهد . وقال أويس أيضا : الزهد هو ترك الطلب للمضمون ، وهو إشارة إلى الرزق ، وقال أهل الحديث : الدنيا هو العمل بالرأي والمعقول ، والزهد إنما هو اتباع العلم ولزوم السنة ، وهذا إن أريد به الرأي الفاسد والمعقول الذي يطلب به الجاه في الدنيا فهو صحيح ، ولكنه إشارة إلى بعض أسباب الجاه خاصة أو إلى بعض ما هو من فضول الشهوات ، فإن من العلوم ما لا فائدة فيه في الآخرة ، وقد طوّلوها حتى ينقضي عمر الإنسان في
شرح
عن الشهوات كلها ) ، وقد روي مثل قول سفيان أيضا عن أحمد بن حنبل وعيسى بن يونس وغيرهما . قال القشيري : وهذا الذي قالوه يحمل على أنه من أمارات الزهد والأسباب الباعثة والمعاني الموجبة له . ( وقال أويس ) بن عامر ( القرني ) رحمه اللّه تعالى وهو سيد التابعين في قول لرجل سأله عن الزهد : ( إذا خرجت تطلب ) أي الرزق ( ذهب الزهد ) . ولفظ القوت : إذا خرج العبد يطلب ذهب الزهد ، وقال مرة لبعض من سأله عن الزهد : في أي شيء خرجت ؟ فقال : أطلب المعاش ، فقال له : فأين الزهد ؟ يعني أن الزهد عنده أن يقطع العبد بدوام الشغل باللّه عن التفرغ بطلب ما سوى اللّه ، وأن ينسى في جنب ذكر اللّه ترك الطلب شغلا مما يرد عليه من المطلوب فلا يبقى فيه فراغ المرغوب ، فهذا غاية الزهد وهو طريق طائفة من الأبدال اقتطعوا عن الخلق وأريدوا بهذه الحال كذا في القوت ( وما قصد بهذا حد الزهد ولكن جعل التوكل شرطا في الزهد ) أي لا يكمل مقام الزهد إلا بالتوكل على اللّه تعالى . ( وقال أويس ) رحمه اللّه تعالى ( أيضا : الزهد هو ترك الطلب للمضمون ) أي الذي ضمنه اللّه تعالى لعباده وأقسم عليه ( وهو إشارة إلى الرزق ) وهو بمعنى ما تقدم . قال هرم بن حيان لقيته على شاطىء الفرات يغسل كسرا وخرقا قد التقطها من المنبوذ وكان ذلك أكله ولبسه ، قال : فسألته عن الزهد أي شيء هو ؟ فقال : في أي شيء خرجت ؟ قلت : أطلب المعاش ، قال : إذا وقع الطلب ذهب الزهد . ( وقال ) بعض العلماء من ( أهل الحديث : الدنيا هو العمل بالرأي والمعقول والزهد إنما هو اتباع العلم وطريق السنة ) قال صاحب القوت : وهذا القول من الظواهر يشبه قول علماء الظاهر كما روينا عن سفيان قال قالوا للزهري : ما الزهد ؟ قال : ما لا يغلب الحرام صبره ولا يمنع الحلال شكره يعني أن يكون العبد صابرا عن الحرام حتى لا تغلبه شهوة الحرام ، ويكون شاكرا في الحلال حتى لا يغلبه الحلال فيشغله عن الشكر اه . ( وهذا إن أريد به الرأي الفاسد والمعقول الذي يطلب به الجاه في الدنيا فهو صحيح ، ولكنه إشارة إلى بعض أسباب الجاه خاصة أو إلى بعض ما هو من فضول الشهوات فإن من العلوم ما لا فائدة فيه في الآخرة ) بل يكون وبالا فيها وسببا لهلاكه ، ( وقد طوّلوها ) أي تلك العلوم ( حتى ينقضي عمر الإنسان في الاستقلال بواحد منها ، فشرط الزاهد أن يكون