تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 679

مساهمون:

ص٦٧٩
فلا جرم الأقوال المخبرة عنها تختلف ، وأما الحق في نفسه فلا يكون إلا واحدا ولا يتصوّر أن يختلف ، وإنما الجامع من هذه الأقاويل الكامل في نفسه وإن لم يكن فيه تفصيل ما قاله أبو سلمان الداراني إذ قال : سمعنا في الزهد كلاما كثيرا ، والزهد عندنا ترك كل شيء يشغلك عن اللّه عز وجل ، وقد فصل مرة وقال : من تزوّج أو سافر في طلب المعيشة أو كتب الحديث فقد ركن إلى الدنيا فجعل جميع ذلك ضدا للزهد ، وقد قرأ أبو سليمان قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ الشعراء : 89 ] فقال : هو القلب الذي ليس فيه غير اللّه تعالى وقال : إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من همومها للآخرة فهذا بيان انقسام الزهد بالإضافة إلى أصناف المزهود فيه ، فأما بالإضافة إلى أحكامه فينقسم إلى فرض ونفل وسلامة ، كما قاله إبراهيم بن أدهم ، فالفرض : هو الزهد
شرح
تختلف فلا جرم الأقوال المخبرة عنها تختلف ، وأما الحق في نفسه فلا يكون إلا واحدا ولا يتصور أن يختلف ) على الصحيح من مذهب الأصوليين ، ( وإنما الجامع من هذه الأقاويل الكامل في نفسه وإن لم يكن فيه تفصيل ما قاله ) قارىء أهل الشام الإمام ( أبو سليمان ) أحمد بن محمد بن عبد الرحمن ( الداراني ) رحمه اللّه تعالى ( إذ قال : سمعنا في الزهد كلاما كثيرا ، والزهد عندنا ترك كل شيء يشغلك عن اللّه عز وجل ) ولفظ القشيري ، قال الداراني : الزهد ترك ما يشغل عن اللّه تعالى ، ولفظ القوت وكان الداراني أبو سليمان يقول : الدنيا كل ما شغل عن اللّه وكان الزهد عنده دوام التفرغ للّه تعالى بحسن الإقبال عليه اه . وقال شارح الرسالة : أراد بترك ما يشغل عن اللّه أي بقلبه وإلا فهو من ثمرات الزهد ، فقد يترك الإنسان ما يشغله عن اللّه لا لزهده بل لشغله بما هو أشرف منه اه هذا على سبيل الأجمال . ( وقد فصل مرة وقال : من تزوج أو سافر في طلب المعيشة أو كتب الحديث فقد ركن إلى الدنيا ) ولفظ القوت : من تزوج أو كتب الحديث أو طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا ، ( فجعل جميع ذلك ضدا للزهد ) ، ويقرب من قول الداراني قول داود الطائي : كل ما شغلك عن اللّه تعالى من أهل أو مال فهو عليك مشؤم . ( وقرأ أبو سليمان ) الداراني ( قوله تعالى :إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍقال : هو القلب الذي ليس فيه غير اللّه ) فهذا زهد الصديقين ، وإنما تكون هذه الثلاث دنيا لمن أراد الدنيا العاجل متعة النفس بها ، فأما من أراد بها الآخرة فهي طرقات له إلى الآخرة . ( وقال ) مرة ( إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم عن همومها للآخرة ) فإذا رزق العبد فراغ القلب مع وجود هذه الثلاث التي ذكرت كن له قربات إلى المذكور ، وقد كان رحمه اللّه تعالى ذا عيال ولم يكن يشغله ذلك عن أوقاته مع اللّه ولا يدخلون عليه في مقامه فيخرجونه من المقام كذا في القوت . ( فهذا بيان أقسام الزهد بالإضافة إلى أصناف المزهود فيه ، فأما بالإضافة إلى أحكامه فينقسم إلى فرض ونفل وسلامة كما قاله إبراهيم بن أدهم ) رحمه اللّه تعالى ( فالفرض : هو