تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 677

مساهمون:

ص٦٧٧
شرح
تتأسف على مفقود منها نزع بذلك إلى قوله تعالى :لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ[ الحديد : 23 ] وقال أبو عثمان : الزهد أن تترك الدنيا ثم لا تبالي من أخذها . وقال أبو علي الدقاق : الزهد أن تترك الدنيا كما هي لا تقول أبني رباطا ولا أعمر مسجدا . وقال ابن الجلاء : الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينيك فيسهل عليك الإعراض عنها . وقال الجنيد : الزهد خلو القلب مما خلت منه اليد . وقال ابن المبارك : الزهد هو الثقة باللّه مع حب الفقر ، وبه قال شقيق البلخي ويوسف بن إسباط . قال القشيري : وهذا أيضا من أمارات الزهد ، فإنه لا يقوى العبد على الزهد إلا بالثقة باللّه . وقال عبد اللّه بن زيد : الزهد ترك الدينار والدرهم . وسأل رويم الجنيد عن الزهد فقال : هو استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب ويروى عنه أيضا الزهد خلو اليد من الملك وخلو القلب من التتبع . وقال الشبلي : الزهد أن تزهد فيما سوى اللّه تعالى . وقال ذو النون : الزهد في الدنيا هو الزهد في النفس . وقال الحسن البصري : الزهد في الدنيا أن تبغض أهلها وتبغض ما فيها . وقال بعضهم : الزهد في الدنيا هو ترك ما فيها على من فيها ، فهذه ثلاثة عشر قولا نقلها القشيري في الرسالة . وفي القوت وقالت طائفة : الزهد هو بعض المحمدة وأن لا تحب أن تحمد على شيء من أعمالك . وقال آخرون : الدنيا هي الأكل واللباس والمال ، والزهد هو ترك فضول هذه الأشياء . وقال آخرون : حقيقة الدنيا هو حب الشرف والعلو وطلب العز والرئاسة فينبغي أن يكون الزهد عند هؤلاء هو حب الخمول والذلة وطلب الخضوع والضعة . وقال آخرون : الزهد مفارقة حظوظ النفس في كل شيء ، وكان سفيان يقول : الزهد في الدنيا هو الصبر على الحق في كل شيء ، وسئل حاتم الأصم عن الزهد فقال : رأسه الثقة باللّه ووسطه الصبر وآخره الإخلاص فأدخل فيه التوكل وجعله أوله لأنه لا يزهد حتى يثق باللّه في الرزق ويتوكل عليه فيه ، وجعل الصبر حالا منه أراد الثبات لئلا يميل أو يخرج فيرجع إلى الرغبة ، وجعل نهايته الإخلاص وهذا إخلاص الصادقين أن تريد بذلك وجه اللّه وحده وابتغاء مرضاته لا تطلعا إلى عوض ولا تطلبا لسبب هو دون اللّه تعالى ، وكذلك جعل أحمد بن حنبل الإخلاص هو الزهد ففسره به لأنه إذا بلغ حقيقة الإخلاص للّه وحده فقد زهد فيما سواه فاتفقا بمعنى تقاربا فيه ، وأما أحدهما ففسر الزهد بالإخلاص جعله نهايته وهو حاتم ، وأحمد عبر عن الإخلاص بالزهد لأنه حقيقته ، وأما أيوب السختياني فإنه سئل عن الزهد ما هو ؟ فقال : هو أن تقعد في بيتك فإن كان قعودك للّه رضا وإلا خرجت تنفق درهمك فإن كان رضا وإلا أمسكت تمسك مالك ، فإن كان رضا وإلا أخرجته تسكت ، فإن كان سكوتك للّه رضا وإلا تكلمت تتكلم ، فإن كان كلامك للّه رضا وإلا سكت هذا هو الزهد وإلا فلا تلعبوا ، وهذا مقام المحاسبة للنفس وحال المراقب للرب ووصف المراعي للوقت ، فجعل الدنيا هي ترك موافقة رضا اللّه تعالى في كل شيء إذ جعل الزهد فيها هو اتباع مرضاته في الأشياء . وقال مجاهد : الزهد الأثرة للّه على ما سواه إذا أتاه شيء من الدنيا استعمل الخوف والحياء فيؤدي إلى كل ذي حق حقه . وكان ابن عيينة يقول : حد الزهد أن يكون شاكرا عند الرخاء