تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 678

مساهمون:

ص٦٧٨
الأمور من أقاويل الناس رآها مختلفة فلا يستفيد إلا الحيرة ، وأما من انكشف له الحق في نفسه وأدركه بمشاهدة من قلبه لا بتلقف من سمعه ، فقد وثق بالحق واطلع على قصور من قصر لقصور بصيرته ، وعلى اقتصار من اقتصر مع كمال المعرفة لاقتصار حاجته ، وهؤلاء كلهم اقتصروا لا لقصور في البصيرة لكنهم ذكروا ما ذكروه عند الحاجة ، فلا جرم ذكروه بقدر الحاجة ، والحاجات تختلف فلا جرم الكلمات تختلف ، وقد يكون سبب الاقتصار الإخبار عن الحالة الراهنة التي هي مقام العبد في نفسه والأحوال تختلف ،
شرح
صابرا عند البلاء ، فهذا قد صير الشاكر على النعمة والصابر على البلية زاهدا وجمع له الزهد باجتماع الشكر والصبر وهذا زهد عموم المؤمنين وقيل ليحيى بن معاذ : متى يكون الرجل زاهدا ؟ فقال : إذا بلغ حرصه في ترك الدنيا حرص الطالب لها كان زاهدا . وقال الداراني : الزهد التخلي من الدنيا والاشتغال بالعبادة فأما من تركها وتبطل فإنما طلب الراحة لنفسه . وقال سهل : أول الزهد التوكل وأوسطه إظهار القدرة . وقال أيضا لا يزهد البعد زهدا حقيقيا لا رجعة بعده إلا بعد مشاهدة قدرة . وقال بعضهم : الزهد هو إخفاء الزهد . وقال سهل : لا ينال الزهد إلا بالخوف لأن من خاف ترك فجعل الزهد مقاما في الخوف رفعة عليه . وفي الخبر : إنما الزهد أن تكون بما في يد اللّه تعالى أوثق منك بما في يدك . فهذا مقام التوكل . وقال قوم : الزهد هو ترك الادخار فكانت الدنيا عندهم الجمع ، وقال بعضهم : الدنيا ما شغل القلب واهتم به فجعلوا الزهد ترك الاهتمام وطرح النفس تحت تصريف الأحكام وهذا هو التفويض والرضا . وقال الداراني : التورع أول الزهد . وقال أبو هشام المغازلي : الزهد قطع الآمال وإعطاء المجهود وخلع الراحة . وقال ابن السماك : الزهد أن لا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ولا يحزن على شيء منها فاته لا يبالي على عسر أصبح أم يسر . وقال طيفور البسطامي : الزهد أن لا يملك ولا يملك . وقال علماء الظاهر : الزهد في الدنيا موافقة العلم والقيام بأحكام الشرع وأخذ الشيء من وجهه ووضعه في حقه ، وما خالف العلم فهو جهل كله وهوى فذكروا فرض الزهد وظاهره ولم يعرفوا غرائبه وباطنه . ذلك مبلغهم من العلم ونصيبهم من الفهم وهو مقامهم من المقال وطريقهم المشوب بالإعتلال . وقال الجنيد : الزهد معنيان ظاهر وباطن ، فالظاهر نفض ما في الأيدي من الأملاك وترك طلب المفقود ، والباطن زوال الرغبة عن القلب ووجود العزوف والانصراف عن ذكر ذلك فهذه الأقوال مع ما ذكره المصنف تنيف على أربعين قولا وإنما لم ير المصنف في نقلها فائدة . ( فإن من طلب كشف حقائق الأمور من أقاويل الناس رآها مختلفة فلا يستفيد إلا الحيرة ، وأما من انكشف له الحق في نفسه وأدركه بمشاهدة من قلبه لا بتلقف من سمعه وثق بالحق واطلع على قصور من قصر لقصور بصيرته وعلى اقتصار من اقتصر مع كمال المعرفة لاقتصار حاجته ، وهؤلاء كلهم اقتصروا في البصيرة ، لكنهم ذكروا ما ذكروه عند الحاجة فلا جرم ذكروه بقدر الحاجة والحاجات تختلف فلا جرم الكلمات تختلف ، وقد يكون سبب الاقتصار الأخبار عن الحاجة الراهنة التي هي مقام العبد في نفسه والأحوال