تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 673

مساهمون:

ص٦٧٣
تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
[ البقرة : 16 ] وأما المخلصون ، فإن اللّه تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، فلما رأوا أنهم تركوا أتمتع عشرين سنة مثلا أو ثلاثين سنة بتمتع الأبد استبشروا ببيعهم الذي بايعوا به ، فهذا بيان المزهود فيه . وإذا فهمت هذا علمت أن هذا ما ذكره المتكلمون في حدّ الزهد لم يشيروا به إلا إلى بعض أقسامه فذكر كل واحد منهم ما رآه غالبا على نفسه أو على من كان يخاطبه ،
شرح
بالهدى ) يعني رغبوا في البقاء الأدنى لما اشتروه ببيع البقاء الآخر الأعلى الأبقى إذ باعوه( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ )فمن اشترى ثلاثين سنة أو أربعين سنة بألف ألف وبأبد الآباد فكيف تربح تجارته ( وما كانوا مهتدين ) أي ممن هدى سبيله ، فهذه تجارة من رغب في حياة دنية فاشتراها ببقاء أبد الآباد ، فقد صار بائعا للحياة الغالية بما استبدل به من اشتراء الحياة الدانية . ( وأما المخلصون : فإن اللّه تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) فهم لأنفسهم وأموالهم بائعون كما قال اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ التوبة : 111 ] الآية . ( فلما رأو أنهم تركوا تمتع عشرين سنة أو ثلاثين سنة بتمتع الأبد استبشروا ببيعهم الذي بايعوا به ) كما قال تعالى :فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ .[ التوبة : 111 ] فشتان بين التجارتين وفرقان ما بين الربحين ، ( فهذا بيان المزهود فيه ) فإذا كان حب البقاء هو الدنيا ينبغي أن يكون حب لقاء اللّه الباقي هو الزهد ، فصار الزهد في الدنيا هو الزهد في البقاء وصار الرغبة في البقاء مثل اتباع الهوى الذي هو الدنيا فمن زهد في الحياة الفانية للمتعة بها وفي ماله المجموع بالجهاد للنفس والإنفاق في سبيل اللّه فقد زهد في الدنيا ، ومن زهد فيها أحبه اللّه تعالى ، ولذلك صار الجهاد من أفضل الأعمال لأنه حقيقة الزهد في الدنيا ، ولأن اللّه يحب من زهد فيها بأنه قد قتل نفسه فيها فاستعجل الخروج إليه منها ، ثم كان مخالفة الهوى أفضل الجهاد لأنه هو حقيقة الرغبة في الدنيا ، فالزاهد في هوى نفسه هو حبيب ربه ، والراغب في حب البقاء لنفسه منافق في دين ربه ، وبه كشف اللّه الكاذبين ووصفهم بمرض القلوب ، وظهر مما ذكرنا أن حقيقة الدنيا هو حب البقاء لطاعة الهوى ومرافقة الهوى في حب العرض لأجل البقاء من الدنيا ، فدخل أحد هذين في الآخر لأن حب البقاء لأجل المتعة هو من الهوى الذي هو صفة النفس الأمارة بالسوء وطاعة الهوى الذي هو عيش النفس إنما يكون لحب البقاء لأن العبد لو أيقن بالموت ساعة لآثر الحق على الهوى ولو أيس من البقاء لما رغب في العرض الأدنى ، فصار حب البقاء من الهوى وصار إيثار الهوى إنما هو لحب البقاء فكان ذلك هو حقيقة الدنيا ، فصار أقصر الناس أملا للبقاء أزهدهم في الدنيا وصار أرغب الناس في الدنيا أطولهم أملا . ( وإذا فهمت هذا علمت أن ما ذكره المتكلمون ) من الصوفية ( في حد الزهد لم يشيروا به إلا إلى بعض أقسامه فذكر كل واحد منهم ما رآه غالبا على نفسه ) إذ كان مقاما