دعوا إلى القتال يستنشقون رائحة الجنة ويبادرون إليه مبادرة الظمآن إلى الماء البارد حرصا على نصرة دين اللّه أو نيل رتبة الشهادة ، وكان من مات منهم على فراشه يتحسر على فوت الشهادة ، حتى أن خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه لما احتضر للموت على فراشه كان يقول :
كم غررت بروحي وهجمت على الصفوف طمعا في الشهادة وأنا الآن أموت موت العجائز ، فلما مات عدّ على جسده ثمانمائة ثقب من آثار الجراحات ، هكذا كان حال الصادقين في الإيمان رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين . وأما المنافقون ، ففروا من الزحف خوفا من الموت فقيل لهم :
إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
[ الجمعة : 8 ] فإيثارهم البقاء على الشهادة استبدال الذي هو أذني بالذي هو خير ،
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ
شرح
( وكانوا إذا دعوا إلى القتال يستنشقون رائحة الجنة ) ويرون الحور العين عيانا ( ويبادرون إليه ) أي إلى القتال ( مبادرة الظمآن ) في الهاجرة ( إلى الماء البارد حرصا على نصرة دين اللّه ) لتكون كلمة اللّه هي العليا ( أو نيل رتبة الشهادة ، وكان من مات منهم على فراشه يتحسر على فوت الشهادة ) لعلو رتبتها عندهم ، ( حتى أن ) سيف اللّه أبا سليمان ( خالد بن الوليد ) بن المغيرة بن عبد اللّه المخزومي القرشي ( رضي اللّه عنه لما احتضر للموت على فراشه ) بالمدينة على الأصح أو بمدينة حمص على الأشهر ( كان يقول : كم غررت بروحي وهجمت على الصفوف طمعا في الشهادة وأنا الآن أموت موت العجائز ، فلما مات عد على جسده ثمانمائة ثقب من آثار الجراحات ) في سبيل اللّه . شهد غزوة مؤتة وكان الأمير الثالث ، وأبلى في غزوة الفتح بلاء حسنا ، ثم شهد حنينا والطائف في هدم القرى واليرموك ، وأسر أكيدر رومة ، وقاتل أهل الردة قتالا عظيما ، وافتتح دمشق .
قال ابن سعد في الطبقات : أخبرنا محمد بن عبيد ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي خالد ، عن زياد مولى آل خالد قال : قال خالد عند موته : ما كان في الأرض ليلة أحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو فعليكم بالجهاد . وروى أبو يعلى من طريق إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم قال ، قال خالد : ما ليلة يهدى إليّ فيها عروس أنا لها محب أو أبشر فيها بغلام أحب إليّ من ليلة شديدة الجليد فذكر نحوه . وقال ابن المبارك في كتاب الجهاد ، عن حماد بن زيد ، حدثنا عبد اللّه بن المختار ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي وائل ، ثم شك حماد في أبي وائل قال : لما حضرت خالد الوفاة قال : لقد طلبت القتل مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي ، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا اللّه من ليلة بتها وأنا متترس والسماء تهيلني ننتظر إلى صبح حتى نغير على الكفار .
( وكذا كان حال الصادقين في الإيمان . وأما المنافقون ففروا من الزحف خوفا من الموت فقيل لهم :إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْفإيثارهم البقاء ) في الدنيا ( على الشهادة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خيرأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ