فيه ، وإذا فهمت طريق الإجمال والتفصيل عرفت أن البعض من هذه لا يخالف البعض وإنما يفارقه في الشرح مرة والإجمال أخرى .
فالحاصل أن الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها ، ومهما رغب عن حظوظ النفس رغب عن البقاء في الدنيا فقصر أمله لا محالة ، لأنه إنما يريد البقاء ليتمتع ويريد التمتع الدائم بإرادة البقاء ؛ فإنّ من أراد شيئا أراد دوامه ، ولا معنى لحب الحياة إلا حب دوام ما هو موجود أو ممكن في هذه الحياة ، فإذا رغب عنها لم يردها ، ولذلك لما كتب عليهم القتال
قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
[ النساء : 77 ] فقال تعالى :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
أي لستم تريدون البقاء إلا لمتاع الدنيا ، فظهر عند ذلك الزاهدون وانكشف حال المنافقين . أما الزاهدون المحبون للّه تعالى فقاتلوا في سبيل اللّه كأنهم بنيان مرصوص وانتظروا إحدى الحسنيين ، وكانوا إذا
شرح
مخالفة الهوى من كل شيء ، ( وإذا فهمت طريق الإجمال والتفصيل عرفت أن البعض من هذه لا يخالف البعض ، وإنما يفارقه في الشرح مرة والإجمال أخرى ) ، وأما المعنى الآخر الذي عبّر به عن هذا الوصف الذي هو الهوى فجعله دنيا أيضا وهو حب البقاء لمتعة النفس ، فقد أشار إليه المصنف بقوله :
( فالحاصل أن الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها ، ومهما رغب عن حظوظ النفس رغب عن البقاء في الدنيا فقصر أمله لا محالة ، لأنه يريد البقاء ليتمتع ويريد التمتع الدائم بإرادة البقاء ، فإن من أراد شيئا أراد دوامه ، ولا معنى لحب الحياة إلا حب دوام ما هو موجود أو ممكن في هذه الحياة ، فإذا رغب عنها لم يردها ) واستنبط هذا المعنى من كلام اللّه تعالى كما أشار إليه المصنف بقوله : ( ولذلك لما كتب عليهم القتال ) أي فرض الجهاد في سبيل اللّه أخبر عنهم اللّه تعالى بقوله :( وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ )فالقتال هو فراق الحياة الدنيا لأنه المشي بالسيف إلى السيف والفناء بين السيفين فقالوا : هلا أبقيتنا إلى وقت آخر وهو أجلنا بالموت لا بالقتل وهذا هو حب البقاء ، ففسر حب البقاء بأنه هو الدنيا ، فقال تعالى : (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى( أي لستم تريدون البقاء إلا لمتاع الدنيا ) فانكشف الناس ، ( فظهر عند ذلك الزاهدون وانكشف حال المنافقين ) بالإفتضاح وابتلي هنالك المؤمنون عند فرض القتال ( أما الزاهدون المحبون للّه تعالى فقاتلوا في سبيل اللّه ) كما أخبر عنهم اللّه تعالى في كتابه :إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّاأي مصطفين( كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ )[ الصف : 4 ] في تراصهم من غير فرجة ، والرص : اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه ، ( وانتظروا إحدى الحسنيين ) مثنى الحسنى تأنيث الأحسن ، كما قال تعالى :تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ[ التوبة : 52 ]